لن اموت

Author

  • receptionshall

    تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني

لا أموت

يا ساكنًا في البعيد… تمهّلْ

لا تواسني في حرب… لا تُمتني رغم بشاعة المقتل

أصحبتُ خالدًا يا هذا… فمِثلي لا يفنى… لا يتحلّلُ

أُقتَل كلَّ يوم ألف ألف مرّة… ولا أسأل

لا تخَف يا صديقي، صديقتي خلفَ البحار… إن جاءكما خبرُ وفاتي لا تحزَنا… سأعودُ إلى الحياة من بين الرُّكام، ليس لأنني خالدٌ بل لأن الموتَ سيلفُظني، خشية تسمُّم الأرض من جسدٍ موبوء بالخُنوع والخُضوع وعِبادة الزُّعماء والأقوياء وأصحاب النُّفوذ، مِن كَذبٍ أصبح ديدَننا. كلُّنا يدّعي أنّه المُختار المُبجَّل. شيطانُنا ليس ذاك الذي في كُتب الدين والتراث، بل هو الـمُحتلُّ، الإله الأخضر، الرَّشوة، ومُضغة الفساد التي نفخر بها. عن حِفظ ماء الوجه لم نعُد نسأل، مساحيقُ الحقارة والدناءة تمحو أثر دعارةٍ أصابها في جزيرة، أو باخرةٍ أو سريرٍ مُهلهَل.

يا سيّدي أموت ألفَ، ألفَ مرة ليس فيها موتة كريمة… فأعود إلى الحياة بحثًا عن فُرصة موتٍ شريفة… وأفشل.

ها قد قُتلتُ مرّات ومرّات في شهر الصِّيام، رغم أنني صائمٌ عن الحقّ ولا أفطر. إنّها حُروبُ العدوِّ وصواريخُه تقتُلنا على ألحان الزنانة، والدَّمار والموت مع بهارات الخيانة… سيرةٌ تعوّدناها منذ عصر الجليد الأخلاقي. أُصابُ كلّ يوم في الصَّميم ولا أموتُ حتى عندما أُقتل.

أعطانا السابقون تطعيماتٍ ضدّ أوبئة العصر الحديث حتى لا نُصابَ بمقتل، تطعيمات مفروضة منذ نعومة أظفارنا. هذا تطعيمٌ ضدّ الإنسانيَّة وأكثر؛ وغيرُه ضدّ الحُبّ والسّلام والعِلم المُبجّل. تطعيمات مدعَّمة بفيتامينات الكراهيَّة، الطائفيَّة والفساد والخيانة. لذلك عندما يغتالون إنسانيَّتي زرافاتٍ ووحدانا… باسم الخوف، باسم التخوين والجُنون، باسم الدين والسياسة… لا أموتُ مع أنني أُقتل.

طُبولُ الحرب توقّفت قبل بدء الموت الزؤام دقيقة صمت استعدادًا لدفننا أحياء. بعد الصَّمت الجَلل، رحَّبنا بأوركسترا الحرب وأدواتها كي نموتَ مؤمنين بحكمةِ الإله الأخضر… صدحت راجزة؛ “الموت للبشر، للعبيد، للحياة والجمال وأكثر”. جحافلُ الموت بقيادة الشيطان المُختار تنثُر الدَّمار والبشاعة بفظاعة القتل والتشريد واستباحة البشر والأرض… الحيوان والشجر تحت شعار الكراهيَّة… ويطلبون موتنا قُربانًا لإله سادي لا يرضى إلا بنهر من الدماء وسُفرة من أشلاء… أطفال، غلمان ونساء.

لا أَكذِبك وأدّعي البُطولة؛ أرتعدُ خوفًا، ارتجفُ، احتمي بالدُّعاء والأمل… ولا أموت رغم أنَّ إلهي لم يكترث لي، لم يتدخَّل!

زُحام المُشرَّدين، الخائفين، الجائعين لا يُحرّك مشاعري، فأنا تحت رُكام الحقارة، الحضارة، أصمُّ، أعمى، جائعٌ، أعملُ على قتل كرامتي لأتسوَّل رمقَ الموت لأرحل…. لكنه لا يحصل. قفزتُ بين الرُّكام، كنتُ موجودًا حيث أشار إنذارُ الإخلاء بأمرٍ من السماء الخضراء. لم أمُت، رغم أنني غرِقتُ في طوفان دموعِ الأطفال، أجسادُ البشر على الرصيف تنزِفُ طهارَتها على جسدي العفِن وهي تشهد موت كرامتها وعزّتها. أبت الإذعان لمن يطرُدها من أرضِها، بيتِها. لم تتسوّل العطف والرأفة بعد دَكِّ العدو حِصن بيتها بالرُّعب والذُّعر وارتجاف أوصال البقاء. 

أنا يا سيِّدي من فصيلةٍ تُشبه البشر، هجينة سُجون الوطن وأسوار العبوديَّة التي تُكبّلنا باسم الدين والطوائف، نخَّاسي الأوطان… ومع ذلك نفخر بالدَّبكة والتبُّولة وجَدّنا الأكبر قدموس… نفخر بتاريخ ليس لنا وعلى شرفنا ندوس، نستقبلُ هجمات العدو بالورد والرياحين لأنه قضى على ابن وطنٍ لعين أخوه تهجّر. تعلّمنا يا صديقي، في المدرسة، ضرورة الخُنوع، فقد جاء في كتاب التاريخ الذي درسته في السنة الرابعة الابتدائية “وطنك يا عزيزي كان ممرًا للغُزاة عبر العُصور”… من يومها وأنا أنتظر الغازي الجديد لأقدم له خضوعي وخنوعي.

دعني يا صديقي أعيشُ حالاتِ التقمُّص في وطن اعتبرناه خضراء الدمن، نقضي منها وطرًا ونُعيد الكرَّة رافعين أكفّنا للسماء مُستغفرين… ونأخذُ الرَّشوة من العدوّ والمُحتلّ ونسجُد راضين عن غنيمتنا.. نُردّد آمين.

لسنا على قلب واحد، لسنا في قطار واحد… ومع ذلك نتشاركُ الأرجيلة والنساء على أرض طاهرة تُدنّسها محبَّتنا للأعداء… فالإله الأخضر سيّدُ الأشياء والتفاهة، مقدّس جديد يتقبَّل القرابين … دماء وأجساد، وأرض اسميناها وطنًا نبيعه ونُتاجر به تحت شعارات كثيرة. حقيقتُنا توارت مرّة أخرى بين دمار ودمار، جحافل استعمار.

لا تخَف يا صديقي… لن أموتَ… لن أموتَ، فقد اخترتُ، منذ زمن، طريقًا لا أعرفه، أملًا لا أُدركه، مع ابن وطن يقول إننا نتعايشُ، ومخالبُ كلّ منا تنتظرُ الشَّماتة بالآخر حتى ننقضَّ عليه ونقدِّمَه طبقًا لسيِّدنا القادم من هُناك، أو هُناك… أو هُناك.

د. محمّد إقبال حرب

5 آذار 2026

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *