بقلم: حبيبة أديب
في مثلِ هذهِ الأيامِ، نستحضرُ إرثَ العالمِ الموسوعيِّ محمدِ بنِ موسى الخوارزميِّ؛ الرجلِ الذي منحَ العالمَ “الخوارزميةَ” كأداةٍ لحلِّ أعقدِ المسائلِ الرياضيةِ والمنطقيةِ. لكنْ، وبينما نحتفي بعبقريةِ العقلِ البشريِّ الذي أسسَ لعلومِ الحاسوبِ والذكاءِ الاصطناعيِّ، نجدُ أنفسنا أمامَ مفارقةٍ وجوديةٍ: هل تحولتْ هذهِ الخوارزمياتُ من أدواتٍ لخدمةِ المنطقِ إلى قيودٍ تحاولُ تأطيرَ الشعورِ؟
نعيشُ في الآونةِ الأخيرةِ مرحلةً جديدةً تَختلطُ فيها بلاغةُ الآلةِ بِعجزِ المشاعرِ الإنسانيّةِ، حيثُ اجتاحتِ الصُّحفُ والمَنصاتُ الأدبيةُ نصوصٌ تبدو للوهلةِ الأولى شديدةَ الإِحكامِ، لكنها تتركُ القارئَ المتذوّقَ في حالةٍ منَ الجفاءِ العاطفيِّ. هذا ما يمكنُ تسميتُهُ بالجمالِ المُصنَّعِ، حيثُ تتحوّلُ القصيدةُ أوِ النصُّ الوجدانيُّ من تجربةٍ ذاتيّةٍ نابضةٍ إلى عمليّةِ تجميعٍ للمفرداتِ.
فخُّ الهندسةِ اللغويةِ
يكمنُ الإخفاقُ الأسلوبيُّ في هذهِ النصوصِ فيما يمكنُ تسميتُهُ بـ “التوازي البنيويِّ المفرطِ”. يعتمدُ الذكاءُ الاصطناعيُّ في صياغةِ الوجدانياتِ على تكرارِ أنماطٍ نحويةٍ محددةٍ لخلقِ إيقاعٍ وهميٍّ. وهنا يبرزُ “التضادُّ المصطنعُ” كبصمةٍ تفضحُ المحاكاةَ الآليةَ؛ فالآلةُ تفرطُ في استخدامِ تقابلاتِ النفيِ والإثباتِ لتشييدِ نصٍّ يبدو نظيفاً لغوياً، لكنهُ مجردٌ منَ اللمسةِ الإنسانيةِ والمفاجأةِ الإبداعيةِ التي تميزُ الأدبَ الحقيقيَّ.
وتتجلى فجوةُ هذا الأسلوبِ في غيابِ البصمةِ الشخصيةِ؛ فأكبرُ سقطاتِ النصِّ الآليِّ هي “الصُّوَرُ المعلَّبةُ” المستقاةُ من إحصاءِ التعبيراتِ الأكثرِ شيوعاً. وبما أنَّ الآلةَ تفتقرُ للحواسِ، فهي تعجزُ عن رصدِ تفصيلٍ مجهريٍّ متفردٍ، فتلوذُ بمفرداتٍ فضفاضةٍ تجعلُ النصوصَ نُسخاً متطابقةً يغيبُ عنها تمايزُ الكُتّابِ.
توصيفُ الشعورِ لا تجسيدُهُ
إنَّ الآلةَ تكتفي بِوَصفِ الشعورِ دونَ أنْ تُجسّدهُ، فهي تُخبركَ أنها حزينةٌ، لكنها تَعجزُ عن نقلِ هذا الحزنِ عبرَ ثنايا السُّطورِ، مما يتركُ القارئَ في حالةِ حيادٍ باردةٍ.
أمّا الفجوةُ الأعمقُ فتظهرُ بينَ السياقِ والموقفِ؛ فالإبداعُ البشريُّ يولدُ من لحظةٍ زمنيةٍ فريدةٍ وموقفٍ حقيقيٍّ، بينما يكتبُ الذكاءُ الاصطناعيُّ عنِ المواقفِ بطريقةٍ تكتفي بملامسةِ السَّطحِ دونَ الغوصِ في الشعورِ. والنتيجةُ هي نصٌّ “بانوراميٌّ” معلَّبٌ يصلحُ لكلِّ زمانٍ ومكانٍ، وهذا هو مقتلُ الأدبِ؛ فالأدبُ الرفيعُ يَلمسُ العالميّةَ من خلالِ شدّةِ خصوصيّتِهِ، بينما النصُّ الآليُّ غارقٌ في العالميّةِ لدرجةِ أنّهُ لا يَلمسُ أحداً.
أصداءُ الحقيقةِ: ماذا يقولُ المبدعونَ العربُ في كندا؟
أثارتْ هذهِ التساؤلاتُ نقاشاً أدبياً واسعاً بينَ كُتّابٍ ومتخصصينَ، حيثُ أجمعَ الكثيرونَ على أنَّ الكتابةَ الحقيقيةَ تولدُ من “الارتجافِ الأولِ للكلمةِ” ومن ذلكَ الخللِ الإنسانيِّ الذي لا يمكنُ تصميمُهُ أو برمجتُهُ. وقد ذهبَ البعضُ إلى تسميةِ هذا النتاجِ بـ “النصِّ الصناعيِّ”، كونَهُ يعجزُ عن استحضارِ ثالوثِ الأدبِ: (الخيالِ، العاطفةِ، والموسيقا)، وهي عناصرٌ وثيقةُ الصلةِ بمعاناةِ الكاتبِ التي لا تُستعارُ.
وفي ظلِّ التخوفِ من أنْ تبتلعَ “الرداءةُ” و”تكرارُ الأنماطِ” المبدعينَ الحقيقيينَ، يظلُّ الرهانُ قائماً على أنَّ الزمنَ هو الغربالُ الأكبرُ؛ فكما أنَّ الوجباتِ السريعةَ لا تبني جسداً، فإنَّ “القصائدَ الآليةَ” تظلُّ استهلاكيةً بلا طعمٍ لمتذوقي الأدبِ. إنَّ ما يمنحُ النصَّ خلودَهُ هو تلكَ “الدمعةُ التي تنفلتُ دونَ قصدٍ”، وتلكَ العفويةُ التي لا تخضعُ لقاعدةٍ، وهو ما يجعلُ النصَّ الإنسانيَّ عصياً على الاستنساخ.
الخوارزميةُ في مواجهةِ الروحِ
تختلفُ البصمةُ البشريةُ جذرياً عنِ القالبِ الخوارزميِّ الذي يُستدلُّ عليهِ بالتكرارِ المملِّ والاستعاراتِ المستهلكةِ. ومن المستغربِ لجوءُ بعضِ الكُتّابِ لهذهِ الأدواتِ، فالقارئُ الذكيُّ يستشعرُ فوراً استبدالَ الدمعةِ بِكودٍ بَرمجيٍّ، والحنينَ بمعادلةٍ لغويةٍ جافةٍ. إنَّ النصَّ البشريَّ الأصيلَ يمتلكُ نبرةً خاصةً تتشكلُ بكيانِ صاحبِهِ، أمّا الركونُ إلى القوالبِ الجاهزةِ فهو نقيضُ الطبيعةِ البشريةِ التي تميلُ للعفويةِ، بل وحتى للفوضى الخلاقةِ في التعبيرِ.
ختاماً، في ذكرى الخوارزميِّ، ندركُ أنَّ عبقريتَهُ كانت تهدفُ لترتيبِ العالمِ رقمياً، لا لسجنِ الروحِ في ترفِ الهندسةِ الخاويةِ. يبقى الأدبُ الرفيعُ أسمى من أنْ يُقيدَ بخوارزميةٍ تنشغلُ بتنميقِ الجملِ على حسابِ جوهرِ الروحِ، وسيبقى الحرفُ الصادقُ هو طوقُ النجاةِ.
حبيبة أديب – كاتبة لبنانيَّة كنديَّة مقيمة في مونتريال، صدر لها “عصفور الشوق” (2023)، وتعدُّ حاليّاً “أبجديّة الترحال: عابرة بين مسارات الرّوح”، إلى جانب مقالاتِها الأسبوعيَّة في الصحافة الرّقميّة.







