لقد فتحت الدولة اللبنانية سفارات وقنصليات لها في معظم دول العالم وخاصة تلك التي فيها لبنانيون، من أجل رعاية مصالحهم من النواحي الإدارية والثقافية والإجتماعية، وتقريبهم من لبنان، وتشجيعهم على دعم الوطن الأم سياسيا واقتصاديا.
ولكن من الطبيعي أن هؤلاء المغتربين نقلوا الى الدول المتواجدين فيها مشاكل لبنان والإنقسامات التي يعاني منها حيث تقع في بعض الأحيان خلافات بين أبناء الجالية وهذا أمر مؤسف.
إزاء مثل هذه الأوضاع، كيف ينبغي أن تتصرف السفارات والقنصليات اللبنانية في مختلف الدول؟ لا بد من التأكيد قبل كل شيء ان الدبلوماسي اللبناني في الخارج يمثل الدولة اللبنانية بمختلف مكوناتها الطائفية والسياسية بصرف النظر عن الطائفة التي ينتمي اليها أو التيار السياسي الذي يميل إليه. فهو يشارك في الإحتفالات الدينية المختلفة ويعامل المنتمين الى مختلف الأحزاب السياسية دون تمييز بين فريق وآخر على الإطلاق.
البعثة الدبلوماسية اللبنانية مفتوحة للجميع، والدبلوماسي اللبناني لا ينحاز لفريق سياسي على حساب فريق آخر، بل يسعى دائما الى تشجيع أبناء الجالية على تجنب الخلافات، والتقارب مع بعضهم البعض، ويُشرِك الجميع في المناسبات التي يقيمها، ومحاولا باستمرار ربط الجالية بالدولة اللبنانية.
ومن أجل تقريب أبناء الجالية من بعضهم البعض، لا يتأخر الدبلوماسيون اللبنانيون في إقامة مناسبات ثقافية تجمع المغتربين إذ أن المواضيع الثقافية يتشارك فيها الجميع، كما أنه يستغل المناسبات التاريخية مثل ذكرى الإستقلال (22 تشرين الثاني) أو عيد التحرير (25 أيار) ويغتنم فرصة زيارة مسؤول كبير من لبنان للدولة التي هو معتمد فيها من أجل جمع أبناء الجالية في احتفالات وتجمعات مختلفة كي يكونوا مع بعضهم البعض وينسوا الخلافات التي غالباً ما تفرقهم، وبذلك يحقق تقارباً بين المغتربين من شأنه أن يخفف التشنج الذي يسببه الشقاق والنزاعات المستوردة من لبنان.
لا بد من التوضيح هنا أن ظهور خلافات علنية بين أبناء الجالية اللبنانية في دولة ما يُسهِم الى حد بعيد في فقدان احترام السلطات المحلية للجالية ككل، ولذلك يسعى الدبلوماسي، سفيراً كان أو قنصلاً، الى إقناع قادة الجالية من مختلف التيارات والإنتماءات السياسية بأنه من مصلحة الجميع عدم إظهار الخلافات الى العلن مع بقاء كل فريق على قناعاته السياسية، فالمطلوب ليس حمل المغتربين على تغيير مواقفهم السياسية المتعلقة بالشؤون اللبنانية، ولكن الحفاظ على حد أدنى من التفاهم فيما بينهم، والتركيز على ما يجمعهم وليس على ما يفرقهم.
فالنشاطات التي يمكن أن تقوم بها السفارة قد تركز مثلاً على ما في لبنان من جمال في الطبيعة، ونجاحات في المجالات العلمية وخاصة الطبية، والمشاهير اللبنانيين الذين أعطوا للعالم صورة لماعة عن لبنان في الفن والأدب والثقافة بصورة عامة، وتاريخ لبنان الذي أوجد الأبجدية، وما الى ذلك من أمور تجعل اللبناني المغترب يشعر بالفخر لما حققه وطنه الأم. من شأن مثل هذه النشاطات التي يشارك فيها شخصيات سياسية ومسؤولون من الدولة المضيفة أن تعطي هؤلاء المسؤولين صورة إيجابية عن لبنان وجاليته، وأن تُبعِد المغتربين عن الأمور التي تفرقهم فيشعرون بأنهم قادمون من وطن ساهم مساهمة قيمة في الحضارة العالمية، كما من شأن مثل هذه النشاطات أن تقرب المغتربين من بعضهم البعض مهما كان بينهم من فروقات في المسائل السياسية.
وفي الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان حاليا بسبب الحرب التي تشنها إسرائيل على جنوبه وعاصمته ومناطق أخرى، وعلى خلفية الإنقسام اللبناني العميق بين مؤيد لحزب الله ومعارض له، ومثل هذا الإنقسسام موجود بدون شك لدى الجاليات اللبنانية في العالم، تقوم البعثة الدبلوماسية بشرح وجهة النظر الحكومية للسلطات في الدولة المضيفة، فالسفارة بالنتيجة تمثل حكومة بلدها، وهي تحاول في الوقت نفسه أن لا تأخذ مواقف سلبية تجاه من يعارضون من أبناء الجالية القرارات التي تتخذها الحكومة اللبنانية، بل بالحوار الهادئ تستطيع أن تنقل إليهم الظروف العامة في الوطن الأم، وتشرح لهم الأسباب والدوافع التي حملت الحكومة على اتخاذ قراراتها، مؤكدة لهم أن الحكومة اللبنانية تعمل لمصلحة لبنان بجميع فئاته ومكوناته، وتسعى جهدها لحماية الوطن والمواطنين بكل ما لديها من إمكانات.
فمسؤولية البعثة الدبلوماسية لا تقتصر على نقل المواقف السياسية اللبنانية الى سلطات الدولة المضيفة ونقل مواقف هذه الأخيرة الى الحكومة اللبنانية، بل هناك واجبات أيضا تجاه الجالية اللبنانية من حيث رعاية شؤونها، وتقريبها من الوطن الأم، ولا شك أن الخلافات والنزاعات التي يعاني منها لبنان تنتقل بسرعة الى بلاد الإغتراب ومن شأن ذلك أن يزيد من اهتمام السفارة بشؤون الجالية للتخفيف من حدة الخلافات وإظهار الوجه المشرق والبناء للبنان وجالياته في الخارج.
مسعود معلوف
سفير متقاعد









