كيف تعيد قصص الأطفال العربية صياغة عالم أطفال

Author

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً في حي سان لوران بمونتريال. في الخارج، كانت العواصف الثلجية تكسو شوارع المدينة برداء أبيض سميك، بينما كان جاد الصغير ذو السنوات الست يراقب الجرافات وهي تزيح الجليد من نافذة غرفته الدافئة. فجأة، التفت إلى والده بسؤال بريء:
“أبي.. هل جرافات الثلج في بيروت تتأخر دائمًا مثل جرافات مونتريال؟ أم أن جدي يزيل الثلج عن باب بيته بنفسه؟”.

ساد صمت قصير.. غص الأب بضحكة ممزوجة بدمعة خفية. أدرك في تلك اللحظة أن طفله جاد الذي ولد وترعرع في كندا، يظن أن العالم كله نسخة مكررة من مونتريال.. ببردها.. وبنيتها التحتية.. وشوارعها. غاب عن ذهنه أن بيروت حيث يقيم جده، هي مدينة الشمس، والياسمين، والبحر الذي لا يعرف الجليد.

هنا تبرز أهمية قصص الأطفال العربية؛ إنها ليست مجرد تسلية، بل هي المنظار الذي يصحح رؤية الطفل للعالم، والجسر الذي يعبر به فوق المحيطات ليرسو على شواطئ هويته الحقيقية.

السفينة التي تقهر الازدواجية

يعيش أطفالنا في كندا صراعا خفيا، فهم يفكرون بالفرنسية أو الإنجليزية في مدارس مونتريال، ويتحدثون ويحلمون بها. وإذا لم نتدخل، تصبح العربية لديهم مجرد لغة أوامر ومفردات جافة غريبة. لكن قصص الأطفال باللغة العربية تغير قواعد اللعبة.

حين يفتح الطفل قصة عربية، هو لا يقرأ كلمات، بل يبني هويته. عندما يرى بطلاً يشبهه، ويقرأ عن شمس الشتاء الدافئة في بلاده الأصيلة، يدرك أن العالم أوسع من حدود مدينته الكندية. إنها الرسالة التي تحول خجل “الاختلاف” إلى فخر “التميز”.

جسر التعاطف العابر للحدود

القصة هي المعلم الأول للقيم. كيف يفهم طفل معنى الصمود، أو كرم الضيافة، أو شهامة أولاد البلد في أحياء بيروت أو دمشق أو القاهرة، أو القدس أو عمان أو رائحة الخبز الطازج في أفران الحي؟ ورائحة البحر الممزوجة برائحة الياسمين في مدننا العربية التي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط من بلاد الشام وحتى دول المغرب العربي..

النموذج الحي: حين يقرأ الطفل عن “شجرة زيتون” صامدة، أو عن طفل يتقاسم فرحة العيد مع جاره في حارة قديمة، نحن لا نعلمه القراءة، بل نزرع في قلبه التعاطف. نحن نبني إنساناً يشعر بأوجاع وطنه الأصيل وآماله، إنساناً يدرك أن جذوره ضاربة في عمق التاريخ، مهما حلق بعيداً في سماء الغربة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *