حين تصبح اللغة وطنًا… في زمنٍ يتّسع فيه الضياع

Author

  • شاعر لبناني ، ينظم شعر الفصحى ، صدر له؛
    1-طريقٌ على جبين الفجر
    2-ضفافُ المستحيل
    3-طيفُ البابلية
    4-عنقود النهيد .. ( محكية لبنانية )
    5-وجدُ بحرٍ وسماء
    أقام العديد من الأمسيات الشعرية ، داخل لبنان وخارجه.
    شارك في برنامج أوراق شاعر الأذاعي ، الذي تبثه إذاعة الرياض عام 2007.
    حصد المركز الثاني في مهرجان همسة الدولي في القاهرة عام 2016 عن قصيدة التفعيلة.
    حصد المركز الأول في مهرجان همسة الدولي في القاهرة عام 2017 عن قصيدة التفعيلة.

بدور عبد الباقي العطّار

في الأزمنة الهادئة يكتب الإنسان ليعبّر، أمّا في الأزمنة القلقة فيكتب ليبقى. وحين يصبح العالم أقلّ ثباتًا مما نظن، يكتشف الإنسان أن الضياع لا يبدأ في الطرقات، بل في الداخل. عندها فقط تتغيّر علاقة الإنسان بالكلمات، فلا تعود الكتابة مجرّد وسيلة للتعبير، بل تصبح محاولة هادئة لحماية ما تبقّى من المعنى، حين يبدو كل شيء مهدّدًا بالتبدّل.

في أوقات الاضطراب، تتحوّل الكتابة إلى نوع من الحماية من الضياع الداخلي. ليست شجاعة كما يُخيّل للبعض، بل مسؤولية خفيّة تجاه ذلك الجزء الإنساني الذي يخشى أن يبهت تحت ضغط الخوف والتغيّر. فالإنسان لا يكتب دائمًا لأنه يريد أن يقول شيئًا جديدًا، بل لأنه لا يريد أن يفقد قدرته على الإحساس، ولا يريد أن يعتاد على عالمٍ يفقد ملامحه بسرعة.

في هذا الزمن، تختلط المشاعر بطريقة لم نعرفها من قبل. الخوف حاضر، لكن لا نعرف ممّن. والقلق يسكن التفاصيل الصغيرة قبل الأحداث الكبيرة. والمستقبل يبدو مفتوحًا على احتمالات كثيرة، لكن أيًّا منها لا يمنح الطمأنينة الكاملة. صرنا نعيش في عالم تتبدّل فيه القيم بسرعة، حتى بتنا نشعر أن الكلمات التي تربّينا عليها لم تعد تعني الشيء نفسه. ما كان واضحًا صار قابلًا للتأويل، وما كان ثابتًا صار قابلًا للتغيير، وما كان يجمع الناس صار أحيانًا سببًا في تباعدهم.

لهذا لم يعد الضياع مرتبطًا بالمكان فقط، بل بالشعور نفسه. قد يعيش الإنسان في بيته، وبين أهله، ومع ذلك يشعر أن شيئًا في الداخل لم يعد في مكانه. كأن العالم يتحرّك بسرعة أكبر من قدرتنا على الفهم، فنحاول أن نتمسّك بأي معنى قبل أن يتسرّب من بين أيدينا. وفي لحظات كهذه، لا يبحث الإنسان عن اليقين بقدر ما يبحث عن شيء يمنحه الإحساس بأنه ما زال يعرف نفسه.

ربما لهذا السبب تصبح اللغة، في كثير من الأحيان، وطنًا آخر. ليس وطنًا على الخريطة، بل وطنًا يُحمل في الذاكرة. نلجأ إلى الكلمات لنحافظ على ما نخشى أن نفقده، ونكتب لنقول لأنفسنا إننا ما زلنا قادرين على الشعور، ونتمسّك بالحكايات لأن ما لا يُروى قد يختفي، وما لا يُكتب قد يتلاشى مع الوقت.

لقد تغيّر معنى الوطن في شعور كثير من الناس أكثر مما تغيّر على الخرائط. لم يعد الوطن حدودًا فقط، ولا اسمًا يُكتب في الوثائق، بل صار الوجوه التي تمنح الطمأنينة، والأصوات التي نشعر معها أننا لسنا غرباء. الوطن هو الأهل، والجار، والصديق، وكل من يجعل الحياة أقلّ قسوة. وحين يتفرّق هؤلاء في جهات كثيرة، يشعر الإنسان أن الوطن نفسه تفرّق معهم، وأنه يحمله في قلبه أكثر مما يحمله في المكان.

في مثل هذه الأزمنة، لا تحمي الإنسان القوة بقدر ما تحميه الذاكرة. فالذاكرة ليست عودة إلى الماضي، بل محاولة للحفاظ على المعنى. ولهذا لم تكن الحكايات عبر التاريخ مجرّد تسلية، بل كانت وسيلة لحفظ ما يخشى الإنسان أن يضيع. كل حضارة تركت وراءها كلمات، ونقوشًا، وأغاني، لأن الإنسان يعرف في أعماقه أن ما لا يُحفظ في اللغة قد يختفي، وما لا يُروى قد يُنسى، وما يُنسى كأنه لم يكن.

الثقافة في جوهرها ليست ترفًا، بل شكل من أشكال الدفاع الهادئ عن الإنسان. حين يضيق العالم، تتّسع الحاجة إلى الفن. وحين تكثر الضوضاء، يصبح للكلمة الهادئة معنى أكبر. ولهذا لا تُكتب النصوص في الأزمنة الصعبة لأن الحياة جميلة، بل لأن الإنسان يريد أن يحافظ على قدرته على الإحساس في عالم يعلّمه كل يوم كيف يعتاد على القسوة.

في مثل هذا الزمن، لا تكون الكتابة فعلًا فرديًا فقط، بل محاولة جماعية لحماية ما تبقّى من إنسانيتنا. مقاومة للنسيان، ومقاومة للتبلّد، ومقاومة للتحوّل إلى أرقام في أخبار سريعة تمرّ ثم تختفي.

قد لا تغيّر الكلمات العالم، لكنها تمنع العالم من أن يغيّرنا بالكامل. وقد لا توقف الفوضى، لكنها تحفظ في داخلنا مساحة لا تصل إليها القسوة.

لهذا، حين تضيق الأمكنة، تتّسع اللغة. وحين يتفكك العالم، تصبح الكلمة بيتًا مؤقّتًا نحتمي به. فالإنسان، حين يفقد الشعور بالوطن، يحتاج إلى مكان يقيم فيه… وأحيانًا لا يجد هذا المكان إلا في اللغة.

بدور عبد الباقي العطّار

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *