فلسفة الثبات الواقعي والسيولة الرقمية وجدلية الجمال والقبح

Author

فلسفة الثبات الواقعي والسيولة الرقمية وجدلية الجمال والقبح

أ.د محمد كريم الساعدي

أكاديمي

في عالم اليوم، لا يوجد فضاء حاكم بين الواقعي والافتراضي إلا بعملية التكوين الخاص بحدود السلوك والأخلاقيات في المجالات كافة، سواء أكان على المستوى النخبوي أم على المستوى الشعبي. لكن لكل فضاء من الفضائيين حدوده ومتبنياته الفكرية التي تنعكس على بناء الرؤية المرتبطة بتشكيل الفهم لدى الفرد؛ فالفرد من الممكن أن يكون من النخبة الباحثة عن التأصيل لكل ما هو جميل ورائع بأسلوب حضاري يحاول فيه تكوين ذات فعالة وخلاقة وقادرة على الإبداع، أو من الممكن أن يكون عكس ذلك إذا ما كانت المسألة مرتبطة بالفاعلية العقلية التي يمارسها الفرد ذاته بين الفضائيين.

فالفضاء الأول الذي اعتاد عليه الإنسان منذ القدم ومارس فيه مختلف نشاطاته الإبداعية لحين ظهور الفضاء الثاني الافتراضي أو الرقمي – أو كما يسميه البعض ممن عمل في تشكيله وبناء مستوياته ومقتضياته ومفرداته وطرقه في تكوين الخوارزميات المرتبطة بتشكيل المعنى الرقمي – فالفضاء الواقعي يتحدد بمميزات تسهم في جعل الممارسة الفنية والأدبية وغيرهما تنحصر بين الجمال والقبح على مستوى التشكيل الإبداعي للنتاج، وكيفية تكوين هذا النتاج الذي يخضع لفلترة الذائقة الفنية الخاضعة للصياغات المشتركة بين النتاجات المبدعة والمتغايرة في خصوصيات كل عمل، أو ما يقدمه من إضافة في المجال الفني الخاص بالإبداع ذاته. وعلى هذا التقدير ينبثق مفهوم التفرد الفني والثقافي لدى المبدع المنتج للعمل ذاته، كون هذا التفرد سيكون في المستقبل معياراً لكل النتاجات اللاحقة التي تقدم في مسيرة التطور الفني المبنية على ما سبق. وكان للزمن سطوة مهمة في جعل التطور يأخذ منحى تصاعدياً كلما تميزت الأعمال الفنية، أو يهبط في زمن ما كلما بدأ الإبداع يتهاوى تدريجياً ويقع في التقليد الأعمى لما سبق، فيتميز العصر الحافل بالمبدعين عن العصور الأخرى التي يكون فيها الإبداع متذبذباً، أو يكون فيها مشتتاً وغير واضح المعالم.

وهذا يشير إلى أن المعيار الذي يبنى على المشتركات من النتاجات الإبداعية يتميز بنوعية الأعمال ذاتها وظهورها في هذا الزمن أو ذاك. فيكون الإبداع أكثر صلابة في الفضاء الواقعي عندما يكون عدد المبدعين ونتاجاتهم ركائز مهمة تميز عصراً من العصور على حساب العصور الأخرى.

وهذا ما جعل معيار الرصانة الفنية يتأتى من كون الأعمال الفنية التي تنتمي إلى العالم الواقعي آنذاك كانت تعبر عن حقيقة الوجود الجمالي المعبّر عن تلك المراحل التي كان فيها الفن ينتمي إلى ما يميزه من إبداع وأصالة وإضافة مهمة يمكن أن يسير من خلالها بخطى ثابتة نحو بناء معايير فنية رصينة، توضع معها نظريات جمالية واكبت الأعمال الفنية التي زينت العديد من المعابد والمباني القديمة في الحضارات القديمة؛ مثل بوابة عشتار في بابل وما حفلت به هذه البوابة من الألوان التي تكسو الآجر باللون الأزرق وفن السيراميك المرافق لعمل هذه البوابة، والرأس البرونزي للحاكم الأكدي، والجداريات التي كانت تزين المباني والقصور في ذلك الوقت. كما تميزت الحضارات الأخرى مثل الحضارة الفرعونية كما في معبد الكرنك والأقصر وما تضمنته من أعمال فنية أصبحت هي المعيار الفني الذي يشير إلى واقعية مطرزة بأسلوب يعبر عن تلك الحضارة المصرية، وكذلك ما حفلت به عدد من المناطق الشرق أوسطية مثل سوريا القديمة كما في الفن الخاص بـحضارة تدمر التي تدمج عدة حضارات متجاورة في فنها ومنها الحضارة الفارسية والحضارة اليونانية، وتميزت سوريا القديمة بأعمال فنية حضارية منها الفسيفساء، كما في فسيفساء شهبا وفسيفساء مريمين، والأخيرة تبين في جمالياتها عازفات للموسيقى. وهذه الأعمال الفسيفسائية تعود لحقب زمنية ومنها الحقبة اليونانية والحقبة الرومانية؛ والحقبة اليونانية التي أصبحت منطلقاً للفلسفة – حسب ما يصفها البعض بذلك ومن ضمنهم رأي الفيلسوف الإنجليزي برتراند راسل في كتابه تاريخ الفلسفة الغربية الذي يقع في ثلاثة أجزاء – وقد تميزت الحضارتان اليونانية ومعها الرومانية بعدد من الأعمال الفنية على مستوى العمارة والمنحوتات والأعمال الخاصة بالجداريات وغيرها، إذ اعتمد الفنان الإغريقي على محددات جمالية تتصف بالنظام الذي يرجع إلى النسب الرياضية الدقيقة، والتناسب في علاقة الأجزاء بالكل، والاعتدال الذي يبعد المبالغة عن هذه الأعمال. وتنوعت الأعمال الفنية الإغريقية بين المعابد والمسارح كما في معبد البارثينون المجمل بالذهب الذي يقع في قلب أثينا ويعطي مجالاً بصرياً للمشاهد، وكذلك في مسارح أثينا القديمة ومنها مسرح إبيداوروس الذي كان يعبر عن العمارة الإغريقية التي تجمع احتفالاتهم المختلفة. أما في الحقبة الرومانية التي تميزت بالواقعية مقارنة بالمثالية اليونانية، فتمثلت أعمالهم في منحوتات مثل أغسطس الذي يمثل القائد العسكري المنتصر، ولوحات الفسيفساء التي تتميز بتكنيكها الفني الذي يصور مشاهد من الأساطير القديمة ومن أشهرها فسيفساء معركة إيسوس المرتبطة بالإسكندر الأكبر. وفي حقب فنية لاحقة في القرون الوسطى التي تميزت بأعمال فنية مثل الطرز المعمارية كما في الطراز الرومانسكي والطراز القوطي، وقدمت في هذه الحقبة أعمال فنية مثل الفسيفساء، ومنها الفسيفساء الذهبية التي توضع في الكنائس ومنها فسيفساء كنيسة سان فيتالي في رافينا ذات الخلفيات الذهبية، وكذلك ما يعرف بـالأيقونات؛ هذه الألواح الخشبية التي يُرسم عليها الشخصيات المقدسة ذات البعد الروحي، وفنون الرسم على الزجاج والمخطوطات التي ترتبط بالضوء واللون وهي مرافقة للأبعاد الروحية الدينية في تلك الحقبة.

أما في عصر النهضة فقد تميزت الأعمال الفنية بظهور عدد من الفنانين الذين أصبحوا مرجعاً في الفنون التي كانوا يبدعونها في تلك الحقبة الفنية، ومنهم ليوناردو دا فينشي وما قدمه من أعمال خالدة ومنها لوحته الشهيرة “الموناليزا” التي استخدم فيها تقنية التظليل الناعم التي يلغي من خلالها الحدة في الاشتغال الفني، ولوحة “العشاء الأخير” التي تمثل عبقريته في الفن، ومايكل أنجلو من خلال منحوتاته ومنها تمثال “ديفيد” الذي يصور ملامحه الداخلية وقوة التعبير في هذا العمل، وكذلك أعماله في أسقف الكنائس التي تعبر عن ملاحم الفترات الدينية التي يصورها الفنان بروعة من خلال تجسيد العديد من الشخصيات والأمكنة. والفنان رافاييل الذي يجمع بفنه الروعة الكلاسيكية في الفنون القديمة كما في جدارية مدرسة أثينا. وفي الحقبة الفنية التي تنتمي إلى العصر الحديث التي شهدت الكثير من المعايير الفنية والجمالية على أساس المذاهب والمدارس المتنوعة؛ ومنها الكلاسيكية الجديدة وبروز أعمال الفنان فرانسيسكو غويا، والفنان أوجين ديلاكروا، والانطباعية وأعمال فنانيها مانيه ومونيه بثورتهم الضوئية في الألوان دون التفاصيل الدقيقة للحياة بطبيعتها المختلفة، وتكعيبية بابلو بيكاسو ووحشية هنري ماتيس وسريالية سلفادور دالي، وتجريدية فاسيلي كاندينسكي. كل هؤلاء الذين ذكرتهم جعلوا من الفضاء الواقعي يقدم لنا مدارس فنية ذات صبغة جمالية غير مخترقة من الذين لا يمتلكون موهبة وعملاً فنياً وجمالياً مميزاً بأسلوبه وتكنيكه الفني الذي يصبح معياراً للآخرين الذين يؤدون دور الفن في مختلف تخصصاته. وهذه الحقب الفنية والأسماء والأعمال ليست القائمة النهائية، بل يوجد في فضاءات الفنون الأخرى من مسرح وموسيقى وسينما، وكذلك في فن الكتابة الشعرية والقصصية والروائية وغيرها، مما يدعو إلى أن هذا الفضاء الواقعي كان حافلاً بأعمال فنية أصبحت هي المعيار للتقييم الفني والجمالي الذي يرتكز عليه كل من يريد أن يسهم في الحركات الفنية عالمياً ومحلياً.

لكن مع ظهور الفضاء الرقمي، وهو فضاء جديد أصبح مسيطراً ومنافساً للفضاء الواقعي، أصبح التنافس بينهما على أشده منذ بدايات الظهور الأولى إلى الآن، لكن الإشكالية أصبحت في المقاييس ذات المعايير الجمالية التي تحكم الفضاء الرقمي، والتي أصبحت غير واضحة المعالم كما هي في الفضاء الواقعي وحقبه الفنية والجمالية التي تمتد إلى تاريخ بعيد، وكان لا بد أن يكون لهذا التاريخ أثر واضح في الإنتاج الفني ومعاييره الجمالية.

في الفضاء الواقعي كانت هنالك أعمال خالدة أصبحت مؤسسة للنظرة الجمالية في مختلف الفنون والآداب حسب طبيعة العمل الفني والفنان الذي يقدم هذا العمل والتزامه بالمعايير التي توضع إزاء اشتغاله الفعلي وأدائه المرتبط بطبيعة العمل ذاته وظهوره في مساحة فنية تميزه، وتسقط كل عمل يدّعي الفن قبالته. أما في الفضاء الرقمي فالعملية مختلفة تماماً، ولكن قبل أن نتطرق لهذا الاختلاف، لا بد أن نوضح طبيعة الفضاء الافتراضي.

الفضاء الرقمي هو المساحة التي تتميز ببيئة رقمية محددة، تتصف بتشكلها من الوسائط المتعددة التي تضم منصات التواصل؛ فيها يتداول المشترك الذي يصبح رقمياً من خلال اختيار هويته وصورته سواء أكانت حقيقية أيقونية دالة عليه، أم كانت صورة رمزية وغير ذلك. ويضم هذا الفضاء الفنون الرقمية وغيرها مما يصبح مكاناً يرتاده المستخدم لهذا الفضاء الافتراضي من خلال خوارزميات تتدخل التكنولوجيا المرتبطة في هذا المجال الافتراضي في صياغتها. وهذا الفضاء الرقمي غير محدد ويقع في المجال اللامحدود الذي لا يمكن أن يصل إلى مساحة معينة من وجهة نظر المستخدم، وليس من وجهة نظر القائمين على هذا الفضاء من شركات ومؤسسات عالمية تقود هذا المشروع الهائل في توجيه المستخدمين فيه حسب ما وُضع من مخططات ومعايير وقوانين خاصة بهذه الشركات العالمية. فالفضاء الرقمي هو ما يرتبط ببيئة ومساحة تشكل مسرح الظهور الافتراضي من قبل المستخدم.

إذن، فهذا الفضاء الرقمي الافتراضي هو نقيض تماماً للواقعي، أي هو ليس مكملاً له بل هو مناقض له، وتأتي هذه المناقضة بين هذين المجالين نتيجة لتعارضهما في الظهور للفرد المستخدم ذاته؛ أي أن المنطق يقول لا يجتمع النقيضان ولا يرتفعان، كذلك لا يمكن أن يكون هنالك ظهور وعدم ظهور للفرد في العالمين الواقعي والافتراضي الرقمي معاً، وبذلك فإن تعارضهما وتناقضهما يأتي من خلال إثبات وجود الفرد فيهما في آن واحد، وهذه القضية تجعل من قوانينهما يختلفان وفق الوجود المادي أو غير المادي.

فالجدلية قائمة بين هذين المجالين؛ فالجمال الذي يرتكز على النظام والتناسب والاعتدال وغيرها من الصفات الجمالية التي لا بد أن تتوافر في العمل الفني حتى يصبح جميلاً، قد تختلف هذه المعايير الجمالية في الفضاء الافتراضي وخاصة في الأعمال الفنية التي تنتمي إلى هذا الفضاء الرقمي. فالجمال وفق هذا الفضاء يتميز بارتباطه بالخوارزميات وما يمكن أن تحدده لنا، فالمعيار الخوارزمي يختلف عن المعيار الحقيقي في العالم الخارجي المادي أو كما نسميه الحياة الواقعية؛ فالخوارزميات من الممكن أن ننظر لها وفق استبدال ما هو واقعي بما هو رقمي، وهذا الرقمي يمكن أن ينتج لنا التناظر بصورته المطلقة القائم على التقنيات الرقمية وما يضاف لها من تقنيات مرتبطة بمشروع ملحق بالفضاء الرقمي وهو الذكاء الاصطناعي. فالتناظر المطلق هو يقابل ما هو مادي، فمثلاً يمكن أن أغير ما هو قبيح واقعياً في الشكل إلى ما هو جميل رقمياً من خلال استخدام المحسنات التي تضيفها الخوارزميات من خلال إنتاج ما يرتبط مثلاً بالمنقيات لصورة الوجه أو الجسد، وكذلك ما يرتبط بتلاعب وتحويل البشرة الإنسانية في الطبيعة من خلال الصورة وتحويل الألوان بما يجعلها متغايرة مع طبيعة الوجه الحقيقي؛ وهذه أمثلة بسيطة عن اشتغال المفردات الرقمية في العالم الافتراضي لتغيير صورة الإنسان من حالة إلى أخرى.

لهذا يظهر الجمال في العالم الرقمي ليس بكونه غاية لذاته كما هو في العالم الواقعي، بل هذا التغيير الذي تحدثه العمليات المرتبطة بالخوارزميات هو ما يجعل من الجمال والقبح خارج السياقات الواقعية، ويجعل قلب الحقائق وتزييفها أمراً رقمياً يمكن تحقيقه بسهولة ولا توجد هناك عوارض حقيقية لهذا العمل. فالجمال الرقمي هو وسيلة من أجل الوصول إلى غايات أخرى لا يمكن تحقيقها في العالم الواقعي.

فالجمال والقبح وفق المعايير الرقمية يقومان وفق مسألة مرتبطة بالتبسيط فيما يخص التصاميم المرتبطة بالهيئة الإنسانية وغير الإنسانية التي تعالج وفق العمليات الرقمية؛ فالاختزال المرتبط بالصورة هو اختزال بصري، والاختزال المرتبط بالصوت هو اختزال سمعي، يمكن أن يتغيرا وفق العمل الرقمي، فلا يوجد رابط بين القبح البصري والجميل البصري ولا القبح السمعي والجميل السمعي في الظهور الرقمي. لكن في الظهور الواقعي يوجد هناك رابط ومحددات للعلاقة بين الجميل والقبيح؛ فكل قبيح لا يمكن أن يكون جميلاً في الواقع بشكل دائم على مدار اليوم حتى وإن حاولنا تجميله بالمساحيق والألوان وغيرها، حتى وإن ارتبط ذلك بعمليات التجميل وكما يحدث اليوم في تحويل الأنثى لما يشبه الدمية باربي، فهذا بحد ذاته لا يجعل منها جميلة، بل يجعلها تقع في تصور ما، لكن هذا التصور لا يمكن أن يكون صادقاً إلى ما لا نهاية، فعند ارتباط هذه المرأة المحسنة بفعل عمليات التجميل سيكون أول طفل لها كاشفاً عن حقيقة الشكل الذي كانت عليه، ومن ثم فإن عملية الجمال لا تكون ذاتية بقدر كونها مضافة وستكشف ولو بعد حين، كذلك الجمال الرقمي يكشفه الظهور الواقعي ولو بعد حين حينما يواجه المستخدم الرقمي ظهوره الحقيقي مما يكشف ما كان يخفيه من قبح في هذا الظهور الواقعي.

إن الجمال وفق معايير الثبات والتشتت والتلاشي؛ فالجمال على مستوى الواقع يكون جمالاً ثابتاً بعد أن تكون هناك معايير تصنف العمل الفني بكونه عملاً جميلاً أو لا، بينما في الفضاء الرقمي يكون المعيار الجمالي غير ثابت ومتغيراً وينتمي إلى عالم التداخل والتغير وفق سيولة يتخذها هذا المعيار الرقمي قياساً للأعمال التي يحاول المستخدم الرقمي تقديمها من خلال الفضاء الرقمي، وهذا ما يجعل هوية الاشتغال الجمالي غير ثابتة الملامح وغير مستقرة وفق معيار جمالي ثابت؛ فالكثرة التي لا ترتبط بمعيار ستؤدي إلى تشتت كامل في الصورة المعيارية للجمال، كون أن هذه الكثرة غير المتجانسة لا تلتقي مع مشتركات يمكن أن يؤسس عليها مفهوم جمالي رقمي ولا يمكن أن تؤسس عليها هوية جمالية ثابتة أيضاً، بل كلاهما، أي الثبات والهوية، سيكونان في حالة تغير مستمر وغير مستقر في العالم الافتراضي عكس العالم الواقعي.

من خلال الثبات الواقعي والسيولة الرقمية، يتبين أن الجمال في الواقع يرتبط بما هو مؤسس وعميق الجذور ويمكن أن يضاف إليه حسب المتغيرات الفكرية والثقافية التي تعيشها المجتمعات المختلفة، لكن ما يربطها هو مرجعية المفهوم الذي يرتكز عليه المصداق في الخارج، وكمية المصاديق المتطابقة تعطينا مفهوماً ثابت المحددات في الذهن البشري ويمكن أن ينتقل هذا المفهوم حسب ثبات المصاديق وما يضاف إليها في المستقبل، لكن الثابت فيها يؤسس عليه من أجل اللاحق القادم في المستقبل دون أن يكون هنالك إلغاء تام لما هو سابق ومؤسس عليه. أما فيما يرتبط بالمسألة السيالة غير واضحة المعالم والمتغيرة بشكل سريع، فهي تمثل مرحلة جديدة في موضوعة الجمال والقبح الرقمي في كون أن الجمال الرقمي لا يخضع للصنعة الإنسانية المباشرة، بل يخضع لعالم الخوارزميات التي تحاكي عالماً موازياً للعالم الواقعي ليس له حدود في التجاوز على الثابت الجمالي الواقعي.

فالجمال الرقمي عادة ما يرتبط بما هو رقمي افتراضي غير واقعي، أي من خلال التناظر المثالي الرقمي وعالم التغيير الذي يخضع للمحسنات كالفلتر وغيره من الأدوات الرقمية التي تحسن الصورة البشرية أو غير البشرية، ويمكن أن ينتج عشرات الآلاف من الصور واللوحات والمنحوتات غير المجسمة، أي صورة ثنائية الأبعاد في داخل الشاشة الرقمية، أو قد ينتج الأشكال الافتراضية من خلال التجسيد المتحرك للشكل الجسماني الإنساني لكن بظهور رقمي كما هو في عالم الهولوجرام والتصوير بتقنية ثلاثية الأبعاد وغيره، وفن “البكسل” الذي يرتبط بالفن الرقمي والرسوم الحديثة، أو ما يشتغل عليه هذا الفن في تقديم ما يمكن أن يجعل من الاستخدامات الفنية أكثر براعة من الإنسان ذاته، لكنها جامدة لا يكون حاضراً فيها الفعل الإنساني.

أما القبح الرقمي الذي هو أيضاً يقع ضمن السيولة الرقمية وعالمها الافتراضي، فهذا القبح يصبح أيضاً سهل الاستخدام في ظل الثورة الرقمية، ويمكن أن يركن هذا القبح إلى التشويه الذي يمارسه المستخدم من جهة أو تمارسه الخوارزميات من جهة أخرى، وهو ما يرتبط بالتزييف والتلوث والتشتت والتعمد بعدم المصداقية الناتج عن فضاء هائل المعلومات والمسميات وغير متحكم فيه من قبل المستخدم ذاته لهذا العالم الافتراضي.

إذن، بين الثبات في الواقعي وبين السيولة في الرقمي تقع جدلية الجمال والقبح؛ فالجمال والقبح في الواقعي قد يكونان واضحي المعالم قياساً لما قُدم من رؤية خاصة عن معايير الحكم الجمالي وخاصة في الحقل الفلسفي والجمالي بداية من الفلسفات الأولى عند الإغريق وخاصة من خلال فلاسفتها وأبرزهم سقراط وأفلاطون وأرسطو، مروراً بالحكم الجمالي الكانطي والرؤية الهيجلية، وانتهاءً بفلاسفة العصر الحديث وما توصلوا إليه في قيمة الحكم الجمالي ومعاييره. أما في المجال الآخر الافتراضي فنحن في بداياته القريبة ولكننا في تداخلاته الضخمة ومعلوماته الهائلة التي جعلت من هذا الفضاء صعب السيطرة عليه، مما ولّد لدينا صعوبة بالغة في تحديد الحكم الجمالي وتبيان الجميل من القبيح كما هو في الواقعي. لهذا السبب نلاحظ اليوم في عالمنا الافتراضي كوننا الآن نعيش في عالمين: واقعي وافتراضي، ولكننا لا يمكن أن ندمج بينهما في الظهور والاختفاء معاً، لكننا يمكن أن نظهر في واحد منهما ومن ثم نرجع إلى العالم الثاني؛ فلحظة الظهور والغياب كلاهما يتعلقان بالواقعي والافتراضي هذا من جهة، ومن جهة ثانية فيما يخص الرقمية السائلة واللامحدودية فيها، فقد جعلت من المعيار الخاص بالجميل والقبيح يتلاشى أيضاً؛ كون من يقود هذين المعيارين (الجمال والقبح) هم عامة المستخدمين لهذا الفضاء الرقمي، ويمكن أن يستخدم أدوات هذا الفضاء ويظهر فيه فيكون هذا المستخدم المخدوع بهذه الجمالية الرقمية السائلة وغير المفصولة عن القباحة السائلة الرقمية المرتبطة بالخداع والزيف، هم المعايير التي يمكن أن نصل إليهم في هذا العالم الرقمي. وهنا أمثلة كثيرة؛ لو عملنا إحصائية لأفراد مستخدمين للعالم الرقمي يضعون كلمات دالة عليهم مثل: شاعر، إعلامي، فنان، روائي، أستاذ، دكتور، مفكّر، فيلسوف، وغيرها من الكلمات الدالة الكثيرة، سوف نجد أن الأغلبية منهم لا يتسمون بهذه الصفات أو الدلالات من كونهم شعراء أو فنانين أو أدباء أو علماء أو فلاسفة؛ كون الصفحة التي يظهر فيها هذا الاسم لا تنطبق عليها المعيار الجمالي الحقيقي الذي يرتبط بهذه الموهبة أو هذه الصفة أو هذا العمل الفني والثقافي وغير ذلك.

فعندما يقدم من يتصف بكلمة “شاعر” من يؤيد هذه الكلمة المرتبطة بالصفحة الفلانية، هم لا يعرفون من قواعد الشعر شيئاً، ولا يعرفون من قواعد الفن شيئاً، ولا يفقهون من المعايير المرتبطة بالجمال شيئاً، ويكتبون كلمات ترتبط بالإبداع والبراعة وهي لا تتوافق مع المنشور وصاحبه الذي يدعي كونه فناناً أو شاعراً أو روائياً وغير ذلك. أو أن المستخدم للصفحة الفنية أو الثقافية وغيرها يطلب من أدوات هذا العالم الافتراضي أن تنتج له من القصة، أو الرواية، أو الشعر، أو اللوحات الخاصة بالرسم، ما يمكن أن يُظهره من خلال هذا النتاج الرقمي بأنه هو صاحب هذا العمل ومبدعه.

لذا، فإن هذا العالم الافتراضي الذي يتميز بالسيولة الرقمية وينتج لنا الجمال والقبح الرقميين وينوب عن الكثير في الإبداع، يتمايز عن العالم الواقعي بنقاط تجعل من المستخدمين له يقعون في مجال أزمة المصداقية والشفافية فيما يقدمونه في هذا الفضاء الرقمي، وهذه النقاط هي:

  1. الفضاء الرقمي ليس فضاءً أصيلاً في تقديم النتاج الإبداعي؛ كون أن هذا الفضاء لا يخضع للمعايير الفنية والجمالية، ولا يخضع لأحكام مؤسسة وفق ذائقة جمالية ناتجة عن تاريخ من الإبداع الفني والجمالي.
  2. الفضاء الرقمي لا يتصف بالثبات في أحكامه، بل يتصف بالسيولة التي لا يمكن السيطرة عليها كونها لا ترتبط بظهور معين في مجال فني وثقافي يتصف بالأصالة، بل يتصف الفضاء الرقمي باللامحدودية التي تؤثر على طبيعة الظهور في هذا الفضاء الرقمي.
  • الأحكام التي يستند إليها المستخدمون في الحكم على نتاجاتهم الفنية والإبداعية -إن صح أن نطلق عليها ذلك- تأتي عادة من الذين لا يمتلكون الحس الفني والأدبي الذي يقيم الإبداع ذاته، بل إن من يقيم هذه الأعمال هو من خارج هذه الدائرة، لكن الفضاء الرقمي جعل كلمات هي حكم زائف يستند إليه صاحب الصفحة في تقديم أعماله الفنية والأدبية.
  • الفضاء الرقمي هو فضاء قد يقدم نيابة عن البعض أعمالهم من خلال استفادة المستخدم من الأدوات التي يوفرها هذا الفضاء من حيث رسم اللوحة أو كتابة القصة والمسرحية والرواية، أو حتى تأليف كتاب كامل، ويأتي الشخص المستخدم ويضع اسمه فقط ويروج لهذا المنتج على أنه منتج إبداعي من عمل هذا المستخدم، لكنه في الحقيقة ليس من عمله، بل من خلال الأدوات الرقمية التي يوفرها هذا الفضاء الافتراضي.
  • الجمال والقبح في الفضاء الرقمي لا يخضعان لمعايير حقيقية، بل في بعض الأحيان من الممكن أن يجعل هذا الفضاء الرقمي القبيح جميلاً، لكن هذا الجمال ليس بصحيح، بل هو جمال مغشوش يفتضح بالظهور الواقعي، لكن المستخدم في هذا الفضاء الرقمي يريد من هذا الجمال وظهوره وسيلة وليس غاية يمكن أن تستمر معه إلى فترات طويلة من الزمن.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *