سلام عليك يا وطن

Author

  • سمر أمين دوغان من مواليد بيروت ، حائزة على ماجستير في علم المكتبات والتوثيق من الجامعة اللبنانية. عملت في الصحافة وفي مراكز الأبحاث والمعلومات، وأسهمت في مكننة أرشيف جريدة النهار. شغلت مناصب إدارية وأكاديمية في الجامعة اللبنانية، ولها دور فاعل في هيئات نسائية وثقافية. كاتبة لها منشورات عدة، وهي في صدد إصدار كتابها الأول.

     

سمر دوغان

.

جلست المرأة العجوز تحت صورة الشهيد…هي لا تعرف إسمه ، لم تراه فوق رأسها فقد نست نظارتها على الطاولة التي بهت لونها من دخان سجائرها. تنتظر وحيدة في ليل بارد، هرب منه الدفء في جدران تتقن الرحيل حتى في رمضان “وجمعة العيلة”، هي فقط تتقن طوال السنين حمل صرتها مع كل هجرة من الحياة إلى الموت الذي لا لون له.

 إختزنت في عينيها المتعبة خمسين عاما من قهر لم تختاره، لم تنتخبه، لم تواليه في جنونه العاصف وفي سكينته الدامية، وفي فرحه الذي لا يحمل الضحكة من القلب…

كل من مروا قربها لم يلمحوا عجزها، فقد نسوا عيونهم في وهم الإنتصار الذي طال غيابه…مروا من هنا، نسوا وجودها، وهي أيضا لا تشبه ملامحهم التي صنعت من طينة مختلفة عن جلدها. تركتهم يهربون فوق درجاتهم التي تصهل بالأرض والدمار غبار ودخان، تركت بكاء الأطفال في علب الحديد المنصهر بالخوف والحياة والسؤال “أين المفر” …

وحدها ما عادت تهتم للشارع والطريق…لا تبالي للدروب التي سترسمها خطواتها التي أثقلتها  قراراتهم التافهة، لا تولول، لا تصرخ، لا تحاسب أصحاب الضمير الحي الذين قرروا أن يتحدثوا بلسانها وليس بلغتها

دفنت زوجها وأحلامها في بناء دارها في تولا، حملت معه ما تبقى فقط من أوراق ثبوتية وسند الأرض وهوية لبنانية لا تفتخر بها وكومة ذكريات وضحكات أطفال هجروا حضنها وأصبحت عندهم دعوة صيف على قهوة مرة ومنقوشة وتبولة وزغرودة يوم وصولهم بخير…وشهقة ودمعة عند الوداع الأخير…

سلام عليك يا وطن…كم إحتضنت كل هذا الوجع ولم تبك عليه مرة…فالدمعة عندك أغلى من أثمن درة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *