الخطاب الأدبيّ في زمن الحرب ودور المثقف الأديب في تأجيج الجماهير

Author

الجامعة اللّبنانيّةأ.د درية فرحات

إنّ البحث في معنى كلمة “مثقّف” يقودنا إلى جذرها اللّغويّ “ثقف”، الذي يدلّ على الحذق والاستقامة، كما في قولهم “ثَقُفَ الرمح”، أي أصبح مستويًا. ومن هذا المنطلق، يتّضح أنّ المثقّف هو الإنسان الذي تهذّب عقله واستقام فكره بفعل المعرفة الواسعة في مختلف ميادين العلوم والفنون والآداب، إضافة إلى قدرته على مواكبة ما يستجدّ من معارف ومهارات. فالثّقافة ليست مجرّد تحصيل علمي، بل هي بناء متكامل للشخصية ينعكس وعيًا ونقدًا وإبداعًا.

أمّا في الاصطلاح، فقد قدّم الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر تعريفًا للمثقّف بوصفه الإنسان الذي يعي التّناقض القائم داخله وفي مجتمعه بين البحث عن الحقيقة والهيمنة الإيديولوجيّة السّائدة. وهذا التّعريف يركّز على وعي المثقّف النّقديّ ودوره في مساءلة الواقع. وفي السّياق العربيّ، ميّز طه حسين بين المتعلّم والمثقّف، مؤكّدًا أنّ ليس كلّ متعلّم مثقّفًا، فالمثقّف الحقيقيّ هو من يمتلك استعدادًا عقليًّا ونفسيًّا لتقبّل المعرفة بمختلف أشكالها، ويعيش روح العصر. كما قسّم المثقفين إلى فئتين: فئة ارتبطت بالسّلطة والعمل الرسميّ والإعلاميّ، وفئة أخرى واجهت السّلطة ودافعت عن أفكارها رغم القمع.

وبناءً على ذلك، يمكن القول إنّ المثقّف هو شخص يمتلك المعرفة والقدرة على التّحليل والحكم، ويستوعب أدوات التّفكير، ويملك طاقات إبداعيّة تمكّنه من التّعبير والتّأثير. غير أنّ المثقّف الحقيقيّ لا يكتفي بالمعرفة، بل ينخرط في قضايا مجتمعه، ويكون جزءًا من حركة النّضال الفكريّ والإنسانيّ.

وتُعدّ الكلمة الأداة الأساسيّة التي يمتلكها المثقّف، فهي وسيلته للتّعبير عن أفكاره، سواء عبر الشّعر أو النّثر أو غيرهما من أشكال الخطاب الأدبيّ. وقد تكون الكلمة أحيانًا أقوى من السّلاح، إذ تستطيع أن تؤثّر في العقول والمشاعر من دون أن تترك أثرًا ماديًّا مباشرًا. وقد شهد التّاريخ أمثلة عديدة على تأثير الكلمة، مثل قصائد إبراهيم اليازجي التي انتشرت سرًّا بين النّاس وأسهمت في إيقاظ الوعي القوميّ، على الرّغم من أنّها لم تُدوَّن في البداية. وكذلك قصائد أبي القاسم الشابيّ التي تحوّلت إلى شعارات حيّة تعبّر عن إرادة الشعوب في الحرية ومقاومة الظلم.

وهنا تتجلّى العلاقة الوثيقة بين المثقّف والكلمة التي تقودنا إلى مفهوم “الالتزام” في الأدب. فالأدب في جوهره تجربة إنسانيّة تعبّر عن الحياة، والأديب يستمدّ مادّته من الواقع، ثم يعيد صياغتها بصورة جماليّة مؤثّرة. والالتزام يعني أن يتبنّى الأديب قضايا مجتمعه، وأن يعبّر عن هموم النّاس ومواقفهم، خصوصًا في القضايا الاجتماعيّة والسّياسيّة والوطنيّة. وهو موقف نابع من حرية الاختيار والوعي، وليس مفروضًا من الخارج.

في المقابل، يختلف مفهوم “الإلزام” عن الالتزام، إذ يشير إلى فرض موضوع أو اتجاه معيّن على الأديب، بحيث يصبح مقيّدًا أو مجبرًا على الكتابة ضمن إطار محدّد. ومن هنا، فإنّ الالتزام يرتبط بالحريّة، بينما يرتبط الإلزام بالإكراه، وهو ما قد ينعكس سلبًا على الإبداع.

وقد عرف الأدب العربيّ نماذج كثيرة من الأدب الملتزم، خصوصًا في ظلّ حركات التّحرّر الوطنيّ. ويبرز في هذا السّياق مفهوم “أدب المقاومة” الذي ارتبط بالصّراع العربيّ الإسرائيليّ، وكان للأديب الفلسطينيّ غسان كنفاني دور بارز في ترسيخ هذا المصطلح، حيث عدّه تعبيرًا عن الصّمود وصرخة في وجه الظّلم. كما ظهر ما يُعرف بـ”أدب الحرب” الذي يتناول موضوعات الصّراع والحروب، سواء كتبه أدباء أو محاربون عايشوا التّجربة.

وتكشف متابعة النّتاج الأدبيّ أنّ الحرب كانت دائمًا موضوعًا حاضرًا في الأدب، إذ عبّرت النّصوص عن المآسي النّاتجة عنها، أو مجّدت البطولات والانتصارات. ويمكن العودة إلى الشّعر الجاهليّ مثالًا، حيث كان الشّاعر لسان قبيلته، يدافع عنها بالكلمة، ويفاخر بأمجادها، ويهاجم أعداءها. وهكذا تتجلّى العلاقة المتبادلة بين الأدب والحرب، فكلاهما مرتبط بالإنسان وصراعه من أجل البقاء والتّعبير عن ذاته.

وقد أدّت الحروب إلى ظهور أشكال أدبيّة جديدة، كما أثّرت الأعمال الأدبية في تحريك مشاعر النّاس وتحفيزهم على الصّمود والمقاومة. وتنوّعت هذه الأشكال بين الرّواية والشّعر، حيث استطاعت الرّواية أن تقدّم رؤية معمّقة للحرب بوصفها تجربة إنسانيّة وتاريخيّة، فيما أدّى الشّعر دورًا قويًا في إثارة الحماسة والتّعبير عن الانفعالات.

وتحتلّ القضية الفلسطينية مكانة بارزة في الأدب العربيّ، إذ شكّلت محورًا رئيسًا للعديد من الأعمال التي عبّرت عن معاناة الشّعب الفلسطينيّ ونضاله. وقد واكب الخطاب الأدبيّ الأحداث المتسارعة، خصوصًا في ظلّ ما تشهده المنطقة من حروب، حيث ازداد حضور الكلمة المعبّرة عن الألم والغضب والتّمجيد والتّضامن، فكانت النّصوص الأدبيّة مرآة للواقع ووسيلة للتّأثير فيه.

وفي العصر الحديث، توسّعت دائرة التّعبير الأدبيّ مع ظهور وسائل التّواصل الاجتماعيّ، التي أتاحت للجميع فرصة التّعبير عن آرائهم ومشاعرهم. ولم يعد الخطاب الأدبيّ حكرًا على النّخب أو المؤسّسات الثّقافيّة، بل أصبح منبرًا مفتوحًا يشارك فيه المبدعون وغيرهم. ومع ذلك، تبرز الحاجة إلى التّمييز بين الكلمة الملتزمة الواعية والكلمة السّطحيّة، وهو ما يفرض ضرورة “غربلة” هذا الإنتاج.

وفي المحصلة، تؤكّد هذه المعطيات كلّها أنّ المثقّف الحقيقيّ هو من يجمع بين المعرفة والوعي، ويستخدم الكلمة أداةً للتّأثير والتغيير، وينخرط في قضايا مجتمعه بحريّة ومسؤولية، بحيث تتحوّل الثقافة إلى فعل حيّ يسهم في بناء الإنسان والمجتمع.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *