لغتُنا البليغة في المرتجى الحضاري

Author

  • الدكتور ربيع الدبس هو أكاديمي ومفكر لبناني متخصّص في الفلسفة السياسية والاجتماعية والحضارات، ويُعرف بحضوره في قضايا الثقافة، والعلمنة، والهوية، والنقد الفكري في لبنان والعالم العربي. هو أستاذ سابق في الجامعة اللبنانية الجامعة الأميركية في بيروت.
    يحمل دكتوراه
    في الفلسفة السياسية والاجتماعية من جامعة ملبورن عام 1988، وله أبحاث في الفلسفة العقلانية الحديثة، وفلسفة الدولة والقانون. والتيارات الفكرية الكبرى.

بقلم د. ربيع الدبس

مِنصّةُ إبداعٍ لا قالبُ اتّباع

اللغة أسبقُ من الفكر كما ارتأى نقّاد كبار، والفكر لا يستقيم مادةً معرفيةً إلا بها. هذه الرؤية تنطبق على الفلسفة والشِّعر والنثر والنحت والفن والموسيقى، لأن لكلّ من هذه الحقول الإنتاجية لغته، وتعبيره، وإزميله، وحَفْرَه الجمالي. أليس الرقص على سبيل المثال نزهةً نفسية بِلُغة الجسد؟ أليستِ الموسيقى لغةَ الروح بكل ما فيها من أفكار ومشاعر؟ ألم يقُل حتى مُنَظّرُ القوة المُطلقة، الألماني المُلحد الذي ترك بصماتٍ علّامةً في البنيان الفلسفي الغربي، فريدريك نيتشه:

“إن الله خلق العالم ليستمع إلى سمفونية بيتهوفن الخامسة”؟

لن نتحدث في هذه المقالة عن تاريخ لغة الضاد، الفصيحة بالمقاييس كافةً، مهما اعترى الأجيالَ الجديدةَ نفورٌ جائر من قواعدها، ومهما أثبتتْ قوافلُ الفاشلين من مُدَرّسيها حجمَ الجريمة التربوية والحضارية بحق الكنوز الخبيئة التي تنطوي عليها، والتي لم يُتَح لبوارقها أن تنعكس في عقول الطلاب وقلوبهم شغفاً خلّاقاً لا يقذفه في الصدور إلا حَمَلةُ الرسالات، الموقنون أن مسؤوليتهم التنويرية أعلى قدراً من الارتزاق. قال المستنير العبقري، أبو العلاء المعري، منذ ألف عام: “إن الشبيبة نارٌ إنْ أردتَ بها – أمراً فبادِرهُ إنّ الدهر مُطفِئُها.

ما من ريب في أن إقرارنا بأن اللغة وعاء الفكر وجِسرُ عبوره إلى الخلود لا يعني الدعوة إلى عبادة النصوص التراثية بل العكس تماماً. صحيح أننا نستلهم التراث في ارتفاعاته المضيئة، لكن ذلك لا يمنع عنا أوكسجين الابتكار. فنحن لا نريد أن نُصّنَّف بين الشعوب الجامدة التي يستعمر ماضيها حاضرَها. ولا بد من التفاعل الواعي مع اللغات والثقافات الأخرى. وليس صدفةً أن يتضمن القرآن ألفاظاً ذات جذور سريانية أو فارسية أو عبرية، من دون أن يؤثر ذلك على بلاغته العربية. لِنَسُقْ، فحسب، نَص الآية المكثفة معنًى ومبنى، عن ضرورة البِرّ بالأهل: “وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه، بالوالِدَيْن إحساناً. إمّا يبلُغَنّ عندك الكبَر أحدُهما أو كلاهما فلا تَقُلْ لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفضْ لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربِّ ارحمهما كما ربّياني صغيراً.”

من هنا أهمية اعتبار التراث سِجِلاًّ حضارياً للإنسانية كَكُل، لا تراكُمَ إنتاج تغيب عنه معايير الإبداع، منذ الأبجدية الأولى وملحمة جلجامش إلى القرنَيْن التاسع عشر والعشرين اللذين شهٍِدا في بلادنا يقظةً فكرية وأدبية خلَاقة. ومن المثلّث الإغريقي الأخلاقي، إلى زينون والمدرسة الرواقية، فبوذا وكونفوشيوس، إلى دانتي وشكسبير وغوته وفلوبير ودوستويفسكي، إلى روائع المؤلفين الموسيقيين، إلى عُلماء الألسُنية والأدباء- المنارات لا الأدباء -المرايا. هل يمكن -عربياً- طمْسُ كتاب “نهج البلاغة”، أو قصائد المتنبي مثلاً، أو لغوياتِ الجرجاني، أو مرجعية سيبويه بين النُّحاة، أو الدور الحضاري لبيت الحكمة في بغداد العباسية، أو دورِ ابن خلدون التأسيسي في فلسفة التاريخ وعِلم الاجتماع، أو تفكيكات ابن رشد والعقلانيين أمثاله. بل هل يمكن التنكُّر للتراث الصوفي الرائع، أو لعُلماء الطِب والفلك والرياضيات والأنساب؟ وهل يمكننا، افتراضاً، المرورُ العابر على الموشحات الأندلسية؟ أليس في الديوان العربي المعاصر كوكبة من الأعلام الذين وشّحوا مؤلفاتهم بالفكر قبل اللغة، ولوّنُوا مؤلفاتهم باللون الإنساني العام من دون يَقْلبوا ظهر المِجَنّ لِقومهم؟ وربما كانت أسماء محددة أكثر جذباً للقراء من آخرين دون أن يعطي ذلك أفضلية لأصحابها لأن الشهرة غيرُ القيمة، ومن دون أن نُغفل قافلة فياضة بالمبدعين والمبدعات في الأوطان الأمهات أو في بلاد الانتشار، من لبنان وسورية وفلسطين والعراق والخليج وشمال إفريقيا، إذْ يضيق بنا المجال لو اعتمدنا التعداد والتفصيل.

قد ينبري بعضنا إلى القول إن في هذا الطرح مزْجاً ما بين اللغة والأدب والفلسفة والعِلم والفن. لكنّ الواقع هو أن ذلك ليس مزيجاً بمقدار ما هو تفاعُل خلّاق في الصحن المعرفي الواحد. فليس مِن أدب عظيم بلا فكر عظيم، وليس من لؤلؤ في البحر إلا حيث الأعماق والأغوار…وإذا كنا نؤكد على أصول اللغة ونحوها وبهاء أسلوبها، فإننا معنيون باللغة الإنشائية لا باللغة الخشبية. فاللغة أداة تفكير ومنصّة تنمية. هذا يفيد أنها عامل نهوض وحافز تنوير أكثر من كونها عِلْمَ كلامٍ أو مستودعَ تفسيراتٍ غرقَى في معتقلات الماضي.

هذا نموذج معاصر من الأدب الذي يحلو للأجيال الجديدة أن تتذوّقه. عنيتُ نجيب محفوظ الذي حاول اغتيالَه أُمّيٌّ بحجة روايته “أولاد حارتنا” التي لم يطّلع عليها الجاني، والتي بجرأتها مكَّنَتْ محفوظ من أن يكون أول عربي ينال جائزة نوبل للآداب. هوذا يقول في حكمة مؤثرة: “عندما ترحل الأمهات، تصدأ الإبر التي تخيط الجراح”.

ولا شك أن جبران خليل جبران أشهرُ من أن نُعرّف القراء بنتاجه نظراً لرواج كتبه ومقولاته. لذلك سنتلو مقطعاً قصيراً آسراً لميخائيل نعيمه من كتابه “كرم على درب”. يقول صاحب (مِرداد): “سمعتُ حواراً بين زنجيّ صغير وأمه.

الطفل: لماذا نحن سُود يا أُمّاه؟

الأم: لأننا في حِداد يا بُنَي.

الطفل: ومتى نَخلع الحِداد يا أُمّاه؟

الأم: يومَ تسْوَدُّ وجوهُهُم خجلاً منا فتبْيَضُّ وجوهنا عطفاً عليهم”.

أما الناقد والشاعر الحداثيّ السوري أدونيس فيربط وضع اللغة بالوضع الوجودي العام. يقول في قصيدة (الوقت):

مِزَقُ التاريخ في حنجرتي، وعلى وجهي أَماراتُ الضحيّهْ

ما أَمرَّ اللغة الآنَ، وما أَضْيَقَ باب الأبجديهْ.

على أن الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي لم يتردد في تعريب المِخْيال الاقتحامي للشاعر الفارسي عمر الخيّام، القائل في أحد مقاطع رباعياته:

لو كان لي كالله في فُلْكٍ يدٌ        لم  أُبْقِ  للأفلاك  من آثارِ

وخلقتُ أفلاكاً تدور مكانها        وتسير وِفْقَ مشيئة الأحرارِ

نختار أيضاً نصاً يبتهل فيه إلى الخالق، من معبد القيم الروحية الجامعة، الشاعرُ والسفير الراحل عمر أبو ريشة، جاء فيه:

عاينتُ في مجلاه سِرّ حقيقتي          وأخذتُ من دنياه ما أعطاني

ومشيتُ في الدنيا وتحت مواطئي      ما كنتُ أعبده من الأوثانِ

أنا في هُداه طويتُ سِفْر ضلالتي      وحملتُ إنجيلي إلى قرآني

ودخلتُ هيكله الرحيب فكان لي        فيه صلاة المسلمِ النصراني

—————————–

خاتمة: صحيح أن اللغة كائن حي، أنتجَته المجتمعات معتبرة إياه تجلياً مرتبطاً بشخصيتها الحضارية ومنجزاتها المطلوب تحصينها على خطّ التقدم، لكنْ ذلك التحصين مَنُوط بالعقل النقدي وبالتصالح المثمر مع إيجابيات التحديث (والحداثة) من دون أن نتبنّى سلبياتها. إلا أن هذا الكائن الحي لا بدّ له من أن يتكيّفَ حتى لا يتقعّر ويضمحل. من هنا أهمية التهوية المدروسة لمعجمنا اللغوي الذي يستحيل إغلاقه على الأوابد. لكن الكائن النابض لا يمكن أن يفقد المزايا التي يتصف بها الناطقون بِخَفْق هذا الكائن اللغوي الحي، الذي هو عندنا اللسانُ العربي المُبين. فاللفظة قد يتعدّل راهنُ إيقاعِها وفقاً لحركة المجتمع في مسار التطور، لكن دلالة المعنى الحقيقية تظل هي هي، فالوفاء هو الوفاء، والغدر هو الغدر. الحق هو الحق والباطل هو الباطل. ومِنَ الخُلْف المنطقي أن ينشقّ من اللفظة أو من عِلم المعاني ما يجافي طبيعتهما الجوهرية. هكذا يتقاطع الفِكر باللغة فيستقي كلاهما من حدائق الجمال التي لا صلاح للحياة الإنسانية بدونها.

—————————————————————————–

 *باحث وأستاذ جامعي لبناني مقيم في أوتاوا

              لغتُنا البليغة في المرتجى الحضاري

منصّةُ إبداعٍ لا قالبُ اتّباع

ربيع الدبس

تمهيد

اللغة بوصفها روح الحضارة

اللغة أسبقُ من الفكر كما ارتأى نقّاد كبار، والفكر لا يستقيم مادةً معرفيةً إلا بها. وهذه الرؤية لا تنطبق على الأدب وحده، بل تشمل الفلسفة والشِّعر والنثر والفن والموسيقى وسائر أشكال التعبير الإنساني. فلكلّ حقلٍ لغته وأدواته وإيقاعه الجمالي.
فالرقص لغةُ الجسد، والموسيقى لغةُ الروح، والفنُّ ترجمةٌ بصرية للوعي والوجدان. ومن هنا لم يكن غريباً أن يرى فريدريك نيتشه في الموسيقى بُعداً يتجاوز المادة، حين قال إن العالم خُلق ليستمع إلى سمفونية بيتهوفن الخامسة.

أولاً: أزمة اللغة بين التعليم والانفصال الحضاري

حين تتحوّل اللغة من شغف إلى عبء

لن نتوقف هنا عند تاريخ اللغة العربية وبلاغتها، بل عند الإشكالية المعاصرة المرتبطة بعلاقة الأجيال الجديدة بها.
فجزء من النفور القائم تجاه العربية لا يعود إلى اللغة نفسها، بل إلى طرائق تعليمها الجافة، وإلى تحوّل بعض المعلّمين من حَمَلة رسالة إلى موظفين يلقّنون القواعد بلا روح.

التربية بوصفها مسؤولية حضارية

حين يغيب الشغف عن التعليم، تفقد اللغة قدرتها على الإلهام. ولهذا كان تحذير أبو العلاء المعري عميق الدلالة حين قال:

“إن الشبيبة نارٌ إن أردتَ بها أمراً فبادِرهُ إنّ الدهر مُطفئُها.”

فاللغة ليست مادة مدرسية فحسب، بل مشروع بناء إنسان.

ثانياً: التراث بين الإحياء والجمود

استلهام الماضي لا عبادته

إن اعتبار اللغة وعاءً للفكر لا يعني تحويل التراث إلى سلطة مغلقة. فالمطلوب ليس تقديس النصوص القديمة، بل التفاعل معها بوصفها خبرة إنسانية قابلة للتطوير.

الانفتاح الحضاري ضرورة لا تهديد

الحضارات الحيّة تتفاعل مع غيرها دون أن تفقد هويتها. ومن هنا لم يكن وجود ألفاظ ذات جذور سريانية أو فارسية أو عبرية في القرآن الكريم انتقاصاً من بلاغته العربية، بل دليلاً على حيوية اللغة وقدرتها على الاستيعاب.

اللغة والبعد الأخلاقي

يتجلّى سموّ اللغة حين ترتبط بالقيم الإنسانية، كما في الآية القرآنية الجامعة لمعنى البرّ والرحمة:

“وقضى ربك ألّا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً…”

فالبلاغة هنا ليست زخرفة لغوية، بل بناء أخلاقي وروحي.

ثالثاً: التراث الإنساني بوصفه ذاكرة مشتركة

من جلجامش إلى النهضة الحديثة

التراث ليس مخزناً للماضي، بل سجلّاً حضارياً لتجارب الإنسان الكبرى.
ومن ملحمة ملحمة جلجامش إلى الفلسفة الإغريقية، ومن دانتي أليغييري وويليام شكسبير إلى فيودور دوستويفسكي، يتراكم الوعي الإنساني عبر اللغة والفكر والفن.

أعلام الحضارة العربية

وفي السياق العربي، لا يمكن تجاوز الإرث المعرفي الذي صنعته شخصيات ومؤسسات كبرى:

  • نهج البلاغة
  • المتنبي
  • سيبويه
  • بيت الحكمة
  • ابن خلدون
  • ابن رشد

فهؤلاء لم يكونوا حراس لغة فقط، بل صنّاع رؤية حضارية.

رابعاً: اللغة والفكر… علاقة تكامل لا انفصال

الأدب العظيم يحتاج إلى فكر عظيم

قد يبدو الجمع بين اللغة والأدب والفلسفة والفن نوعاً من التداخل، لكنه في الحقيقة تعبير عن وحدة المعرفة الإنسانية.
فلا أدب عظيماً بلا عمق فكري، ولا لغة حيّة بلا قدرة على إنتاج المعنى.

ضد اللغة الخشبية

الدفاع عن العربية لا يعني الدعوة إلى لغة متحجرة، بل إلى لغة إنشائية حيّة، قادرة على التفكير والتنمية والتجدد.
فاللغة التي تفقد قدرتها على مواكبة الحياة تتحول إلى متحف لغوي لا إلى أداة حضارية.

خامساً: نماذج من الأدب العربي الحديث

اللغة حين تلامس الإنسان

نجيب محفوظ

مثّل نموذجاً للأدب الذي يخاطب الإنسان المعاصر، وقد دفعت جرأته الفكرية ثمنها محاولة اغتيال بسبب رواية أولاد حارتنا.

ومن حكمه المؤثرة:

“عندما ترحل الأمهات، تصدأ الإبر التي تخيط الجراح.”

إنسانية الأدب المهجري

ميخائيل نعيمة

في كتاب كرم على درب يقدّم صورة إنسانية مكثفة عن الظلم والكرامة:

“يوم تسودّ وجوههم خجلاً منا فتبيضّ وجوهنا عطفاً عليهم.”

جبران خليل جبران

ظلّ نموذجاً للأديب الذي مزج الروحانية باللغة الإنسانية العابرة للحدود.

سادساً: الحداثة الشعرية وأسئلة الوجود

اللغة في مواجهة الانكسار

يربط أدونيس بين أزمة اللغة وأزمة الوجود الإنساني، حين يقول:

“ما أمرّ اللغة الآن، وما أضيق باب الأبجدية.”

فاللغة هنا ليست أداة تعبير فقط، بل مرآة لأزمة الإنسان العربي الحديثة.

سابعاً: الشعر بوصفه أفقاً للحرية

من الخيّام إلى عمر أبو ريشة

قدّم أحمد الصافي النجفي تعريباً لروح عمر الخيام المتمرّدة على القهر والجمود، في صورة شعرية تمجّد حرية الإنسان.

أما عمر أبو ريشة فطرح نموذجاً إنسانياً جامعاً، تتلاقى فيه القيم الروحية بعيداً عن التعصب والانغلاق:

“وحملتُ إنجيلي إلى قرآني.”

خاتمة

اللغة كائن حيّ

اللغة كائن حيّ ينتجُه المجتمع ويتطوّر معه. ولذلك فإن الحفاظ على العربية لا يتحقق عبر الانغلاق، بل عبر العقل النقدي والانفتاح الواعي على الحداثة.

بين الثبات والتجدد

قد تتغير الإيقاعات والأساليب والمفردات، لكن القيم الجوهرية تبقى ثابتة:

  • الوفاء هو الوفاء
  • الحق هو الحق
  • والجمال يظلّ شرطاً من شروط الحياة الإنسانية

وهكذا يتقاطع الفكر باللغة، ويستمدّ كلاهما من حدائق الجمال والمعرفة ما يُبقي الحضارة حيّة وقادرة على الإبداع