المغترب…واللغة العربية

Author

  • وسيم سلطاني، كاتب ومهندس مدني لبناني كندي، يعيش في مونتريال منذ أكثر من عشرين عاماً. تنقّل في حياته بين لبنان والسعودية وفرنسا والولايات المتحدة وكندا، فشكّلت تجربة الاغتراب والعيش بين ثقافات مختلفة جزءاً أساسياً من كتاباته. صدر له كتاب «ذكريات بين الشرق والغرب»، الذي يروي فيه بأسلوب بسيط وإنساني محطات من حياته وذاكرته، ويبحث من خلالها في الإنسان والوطن والاغتراب والاختلاف بين الشرق والغرب.

المغترب... واللغة العربية

عندما تصبح الفصحى عدوى جميلة
بقلم: وسيم سلطاني | 12 آب 2026 | العدد 2 - خريف 2026 | جسور - آفاق عربية في مونتريال
المغترب واللغة العربية - مونتريال

عندما كنت تلميذًا في المدرسة في لبنان، لم تكن اللغة العربية من المواد التي أتفوّق فيها. كانت علاماتي دون المستوى المطلوب. وأذكر أنني في امتحانات الإملاء كنت أحصل على خمسٍ من عشرين، وأحيانًا أقل.

لكن كانت عمتي مدرّسة لغة عربية، وكانت تساعدني وتعطيني دروسًا إضافية في النحو والصرف والإملاء والقواعد. كنا نجلس معًا في غرفة الطعام المطلة على شاطئ عين المريسة بعد عودتي من المدرسة، وتتحول الطاولة أمامي من غرفة طعام إلى صفّ للغة العربية.

كانت عمتي عائشة شديدة في تعليمها، حازمة، لا تمرّ أمامها غلطة بسهولة. كنت أجلس وكتابي ودفتري أمامي، والقلم في يدي، بينما كان الخوف يتملكني من أن أخطئ في كلمة أو في الإملاء. لم تكن قسوتها قسوة غضب، بل كانت صرامة معلّمة تؤمن بأن اللغة لا تُتعلَّم بالتساهل.

يومها كنت أخاف تلك الدروس وأتمنى أن تنتهي سريعًا، ولكن وراء ذلك الحزم كان هناك حرصٌ على أن تضع في داخلي أساسًا لغويًا متينًا. قد لا تكون علاماتي قد تحسنت كثيرًا آنذاك، وقد بقي درس الإملاء خصمي، لكن بقي أساس اللغة وقواعدها وإحساسها في داخلي.

واليوم، وأنا أكتب قصة بعد قصة باللغة العربية، أدرك قيمة تلك الساعات التي كانت تجلس فيها عمتي إلى جانبي وتصحح لي أخطائي. وربما لو كانت تراني اليوم وأنا أكتب بالعربية لابتسمت وقالت لي: «وأخيرًا يا وسيم... أتت الدروس بنتيجة».

• • •

بدأت الكتابة في كندا في صيف ٢٠٢٥، ومن كثرة ما كتبت منذ ذلك الوقت، ومن كثرة ما أعيش يوميًا مع اللغة العربية الفصحى، بدأت ألاحظ شيئًا طريفًا يحصل معي، صرت أتكلم بالفصحى من دون أن أنتبه.

في أحد الأيام في مونتريال، كنت أتحدث مع زوجتي، وإذا بي أقول لها بعفوية: «هل ترغبين أن نتناول فنجانًا من القهوة على الشرفة؟» نظرت إليّ باستغراب، ثم أجابتني بالفصحى، وكأن العدوى انتقلت إليها: «ما هذا يا زوجي؟ ماذا تقول؟»

عندها أدركت أن كثرة الكتابة جعلت لغتي الفصحى ولغتي في الحياة اليومية تبدآن بالاختلاط.

شاركت هذه الحادثة مع أصدقائي على سبيل المزاح، لكن خلف هذه المزحة الصغيرة خطر لي سؤال أكبر بكثير: ماذا يحدث للغة العربية اليوم؟

كثيرًا ما نسمع أن العربية تتراجع، وأن الأجيال التي ولدت في المهجر تبتعد عنها، وأن الإنجليزية والفرنسية تزاحمها، حتى أصبح الحديث عن انحدار اللغة العربية وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش.

أما أنا، فلا أحب هذه النظرة المتشائمة. أنا أرى شيئًا آخر.

أرى أن اللغة العربية الفصحى عدوى جميلة تنتقل بين الناس. وأنا الدليل: بدأت أكتب بالفصحى وأفكر بالفصحى ثم وجدت نفسي أتكلم بالفصحى مع زوجتي وكادت زوجتي نفسها أن تُصاب بالعدوى نفسها.

اللغة لا تموت لمجرد أن الناس أدخلوا كلمات أجنبية في حديثهم، فاللغات الحية تتغير وتتأثر وتؤثر. الخطر الحقيقي على أي لغة ليس أن تتغير، بل أن نتوقف عن استعمالها.

الجاليات العربية لم تتوقف عن استعمال العربية. بل تكتب اليوم الرسائل والتعليقات والمنشورات والخواطر والقصص عبر الهواتف وعلى وسائل التواصل. صحيح أن الكثير منها بالعامية، وبعضها مليء بالأخطاء، وبعضها يمزج العربية باللغات الأجنبية، لكن العربية ما زالت تتحرك على ألسنة الناس وبين أصابعهم، وعلى شاشات هواتفهم.

لهذا أرفض أن أنضم إلى جوقة الذين يعلنون موت العربية في بلاد الاغتراب. فاللغة التي استطاعت أن تعبر قرونًا طويلة، وأن تحمل الشعر والفلسفة والعلم والحب والحزن والهجاء والضحك، لن تسقط أمام هاتف محمول أو تطبيق جديد.

بل ستدخل الهاتف والتطبيق، وتتغير معهما. وربما تحتاج العربية اليوم إلى من يكتب بها. اكتبوا قصة. اكتبوا ذكرى. اكتبوا رسالة إلى أولادكم. دوّنوا حكايات أمهاتكم وآبائكم وأجدادكم. لا تخافوا من الخطأ، ولا تنتظروا أن تصبحوا أدباء أو نحويين. فاللغة تعيش عندما نستعملها.

منذ فترة، كنت أتحدث مع جارتي الكندية هنا في مقاطعة كيبيك الفرنسية، وهي تعمل في مجال الثقافة والإعلام. أخبرتها أنني أكتب قصصًا باللغة العربية.

كنت أتوقع منها أن تقول لي إنني أعيش في كيبيك، حيث الفرنسية هي اللغة الرسمية وإن الكتابة بالفرنسية قد تفتح لي بابًا أوسع للوصول إلى القراء. لكنها فاجأتني بكلام مختلف. حدثتني عن الحضور المتزايد للغة العربية في كندا، وعن اهتمام المؤسسات الحكومية بالتواصل مع المهاجرين القادمين من البلدان العربية بلغتهم. جعلني كلامها أفكر: ها أنا أعيش منذ عقود بعيدًا عن لبنان، وفي مجتمع يتحدث الفرنسية والإنجليزية، ومع ذلك أعود إلى العربية، وأكتشف أن اللغة العربية سافرت هي الأخرى إلى كندا وأصبحت حاضرة بين الكنديين.

الهجرة والاغتراب لا يعنيان بالضرورة أن نترك لغتنا خلفنا. يستطيع المواطن العربي أن يعيش بالفرنسية والإنجليزية في المجتمع الكندي، وفي الوقت نفسه يحتفظ بالعربية ويكتب بها ويتحدث بها مع أولاده وأحفاده وربما يومًا مع الكنديين أنفسهم.

• • •

أنا متفائل، ولعل قصتي الشخصية هي أفضل سبب لهذا التفاؤل: طفل في مدرسة في لبنان كان يخاف من حصة الإملاء، ويحمل إلى البيت ورقة امتحان عليها خمس علامات من عشرين، وتجلس إلى جانبه عمته لتعلّمه القواعد، ثم تمر السنين، فيجد ذلك الطفل نفسه رجلًا في كندا يكتب كتابه الأول باللغة نفسها التي كان يومًا ضعيفًا فيها. فقد عدت إليها اليوم، ويبدو أنها قررت أن تنتقم مني بطريقتها الخاصة، لم تعد تكتفي بما أكتبه، بل بدأت تدخل حتى في كلامي مع زوجتي...

وإذا استمر الأمر على هذه الحال، فقد يأتي يوم أدخل فيه المطبخ وأقول لزوجتي: «سيدتي، هل تكرّمتِ بإعداد فنجان من القهوة، سكر زيادة؟» وعندها أخشى ألا تجيبني بالفصحى هذه المرة... بل أن تطردني من المطبخ بالعامية اللبنانية... وحينها سأبتسم وأقول: اطمئنوا... اللغة العربية ما زالت بخير.

اللغة لا تموت عندما تتغير
بل عندما نتوقف عن استعمالها


اكتبوا قصة. اكتبوا ذكرى. اكتبوا رسالة إلى أولادكم.
جسور - العدد 2 - خريف 2026

من نحن

مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.

اشترك وساهم

أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.

وسيم سلطاني
وسيم سلطاني

تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني

المقالات: 35