وقتما تزهر الشقوق
Author
-
لولوة غازي أبو رمضان
تجمع في تجربتها الثقافية بين الكتابة الأدبية، والنقد الأكاديمي، والتعليم، والفن التشكيلي.
نشرت كتابين في القصة القصيرة، هما: «غجرية ومن غزة» وكتاب «إنّ مع العسر يسرًا»، وكتابًا في أدب الأطفال بعنوان «مذكرات مريم ويسر». ولها أيضًا مشاركات فنية في معارض للفن التشكيلي في فرنسا ومونتريال.
وقتما تزهر الشقوق
كانت جدّتي أم عدنان، رحمها الله، تتحدّث عن تلك اللوحة العائلية بكثير من الفقد والتأثر، وبفيض من الابتسامة والأمل، وأيضًا القلق مما هو آتٍ.
كانت تقول إن المزهريات الثلاث لم تُشترَ معًا، بل جُمعت من ثلاثة بيوت نعرفها جيدًا، لكنها لم تعد موجودة في زمننا هذا. غير أن فنانة كندية حفظتها بريشتها، وعبّرت عنها بطريقتها الراقية، كما رأتها هي ببصيرتها.
كنتُ صغيرة.
أشعر كثيرًا، ولا أفهم ما وراء تعابير جدّتي، ولا حتى أمثالها الشعبية الصادقة دومًا.
كنت أشعر بما تقصده، لكنني لم أكن أعرف كيف أعبّر عنه.
كنت أظن أن البيوت، مثل الجبال، تبقى في مكانها إلى الأبد، وأن كثرة الكلام عنها، ووصف ما بداخلها، دليلٌ على أنها لن تتغيّر ولن تزول إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لكنني كبرت.
وفهمت.
وصرت أحلم ليلًا أكثر من ذي قبل، وأخبر من حولي بأحلامي، وبخوفي وفرحي وحزني، بدقّة ووعي.
وفي إحدى الليالي المقمرة، رأيت حلمًا لم يكن كأي حلم.
رأيت المزهريات الثلاث واقفة وسط غرفة تفيض بثمار البرتقال اليافاوي.
كان الضوء يملأ أرجاء المكان، وكانت الحياة تسكن كل زاوية فيه.
وفجأة…
بدأت أشياء مؤذية تسقط من الأعلى، وتتسلّل هي بذاتها من زوايا الغرفة.
وقتها تكسّرت المزهريات الثلاثة.
كان تكسّرًا مخيفًا، مباغتًا، لم أرَ مثله من قبل.
تفتّتت إلى عشرات القطع، وتناثرت في كل زمان ومكان.
حاولتُ، أنا المرأة الشابة التي تُدعى فريدة، أن أجمع القطع بسرعة قبل أن تحملها الريح إلى أماكن يصعب السفر إليها واسترجاع ما ضاع فيها.
وكان أكثر ما أفزعني في الحلم أنني كلما التقطت قطعة، جرحت أصابع يدي اليمنى، فقد سال منها دم أبيض كلون الحليب الصافي.
في البداية بكيتُ وفزعتُ.
لم يكن أحد معي.
ثم صرخت صرخة أفزعتني أنا، ولم تُفزع أحدًا سواي:
— لقد ضاع كل شيء… كل شيء.
وفجأة، سمعت صوت جدّتي يأتي من بعيد ومن خلفي لا أراه.
شعرت به كأن كائنًا عملاقًا حنونًا جاء لينقذني من أزمتي هذه.
جاءت إليّ، وجلست على أرض البرتقال الحزين.
كانت تحمل بين أصابعها قطعًا صغيرة من الفخار المكسور، وإلى جانبها الأيمن وعاء نحاسي أصفر صغير، مملوء بتبر الذهب اللامع الأصيل.
أخذت قطعتين مكسورتين.
قرّبتهما من بعضهما برفق.
ثم ملأت الفراغ بينهما بتبر الذهب.
ونظرتْ إليّ قائلة:
— ما رأيكِ يا فريدة؟
ابتسمتُ وأنا في ذلك الحلم الطويل، وأجبتها:
نظرتْ إليّ جدّتي نظرة رضا، وقالت:
— بعضهم يصلحون الأشياء كي يجعلوها جميلة في أعين الآخرين، كي ينسوا أنها انكسرت بسببهم.
وصمتتْ قليلًا.
ثم تابعت:
— أما نحن يا فريدة، فسنصلحها كي نتذكّر أنها انكسرت… وأنها نجت وستبقى إلى الأبد، سنمنحها فرصة أخرى للحياة. ما رأيكِ؟
هززت رأسي، ولم أتفوّه بكلمة.
ثم بدأنا العمل.
قطعة تُجمع لتلتصق بأخرى.
وشق صغير ينتظر دوره كي نمنحه حياة ثانية، بخيط من الذهب.
شيئًا فشيئًا، عادت الروح إلى المزهريات الثلاث.
لم تعد كما كانت.
لكنها كانت أجمل.
تنعم بالنجاة.
وكانت عروق الذهب تمر فوق أجسادها مثل خرائط لطرق طويلة:
طريق بيت هُدم أو قُصف.
وطريق امرأة شهيدة غادرت الحياة ولم تعد.
وطريق طفل كبر يتيمًا.
وطريق حبّ خدع صاحبه، فتحوّل إلى خوف ووجل وهجران.
وطريق آخر
أجمل من كل ما سبقه.
طريق كله حياة، بدأت ولن تنتهي.
لنرى أن الأغصان أخذت تزدحم.
وأزهرت الزهور من تلك الشقوق الذهبية، وخرجت معها أغصان خضراء تعشق الجمال، وتحيط بها.
نمت أولًا زهور الخزامى البنفسجية.
ثم ظهرت زهرات قرنفلية وردية تنتظر أن تكبر وتعمر.
ثم زهور أخرى واضحة وممتلئة بالدوائر والحركات اللونية، كطفولة حالمة.
حتى امتلأت الغرفة بالنباتات وروائحها العبقة.
واتّسع الضوء الأصفر من خلف المزهريات…
كشمس لا تغرب أبدًا.
ثم استيقظتْ، نعم استيقظتْ.
ناديتُ أمي، وأخبرتها بالحلم العجيب.
استمعت إليّ بصمتها المعهود.
ثم نهضت، وفتحت خزانة عالية قديمة.
أخرجت منها صندوقًا عتيقًا، ووضعته أمامي.
فتحناه سويًا.
وفي داخله كانت قطع فخار سوداء مكسورة.
قالت أمي:
— إذن حان الوقت لتتعلمي كيف تجمعين ما تكسّر.
جلست بجوارها.
وضعت القطعة الأولى بجانب الثانية.
ثم الثالثة بمحاذاة الرابعة.
وسألتها:
— هل تظنين أننا نستطيع أن نجعلها كما كانت؟
أجابتني:
لكنّه يستطيع أن يصبح شيئًا آخر… وربما أفضل.
واصلنا العمل.
جمعنا البقايا المكسّرة، ورممناها واحدة بعد أخرى.
وكنا نترك بين كل قطعتين أثرًا من الذهب الخالد.
وحين انتهينا…
لم نحاول أن ننسى الكسر.
ولم نحاول أن نخفيه.
نظرنا إليه بعطف.
وبدأنا نحلم.
لكنه يستطيع أن يصبح شيئًا آخر… وربما أفضل
جسور – العدد الثاني – خريف 2026
لوحة الغلاف مستوحاة من فن الكينتسوجي الياباني
من نحن
مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.
اشترك وساهم
أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.
لولوة أبو رمضان
تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني








