سقطرى… الجوهرة التي نسي العالم أن لها وطنًا
Author
-
عبدالإله الخازندار أكاديمي متخصص في الإرشاد النفسي، ومحاضر سابق في جامعة صنعاء، عُرف باهتمامه بالقضايا التربوية والاجتماعية والإنسانية.
يشغل منصب رئيس الجالية اليمنية في كيبك – كندا، ويعمل على تعزيز التواصل الثقافي والاجتماعي بين أبناء الجالية والمجتمع الكندي.
يكرّس جهوده لخدمة المجتمع ونشر ثقافة الحوار والتعاون، من خلال نشاطات أكاديمية واجتماعية تسهم في بناء جسور التفاهم بين الثقافات
سقطرى… الجوهرة التي نسي العالم أن لها وطنًا
شجرة دم الأخوين – بتكوينها المهيب وتاجها الممدود نحو السماء، كأنها حارس أسطوري لذاكرة الجزيرةجزيرةٌ يمنية، لكنها ليست مجرد جزيرة.
إنها دهشةٌ جغرافية، ومعجزةٌ بيئية، وقصيدةٌ خضراء تطفو فوق زرقة البحر.
في سقطرى، يبدو المشهد وكأن الزمن توقّف قليلًا ليحفظ للأرض شيئًا من صورتها الأولى؛ جبالٌ شامخة، وكهوفٌ عتيقة، وشواطئ نقية، ومياه تتدرج فيها ألوان الأزرق حتى يعجز الوصف عن ملاحقتها، ونباتات نادرة اختارت هذه الأرض موطنًا لها دون سواها.
وهناك تقف شجرة دم الأخوين، بتكوينها المهيب وتاجها الممدود نحو السماء، كأنها حارسٌ أسطوري لذاكرة الجزيرة. شجرة لم تعد مجرد نبات، بل أصبحت توقيعًا طبيعيًا لا تخطئه العين، ورمزًا لسقطرى في ذاكرة العالم.
في سقطرى، شواطئ نقية ومياه تتدرج فيها ألوان الأزرق حتى يعجز الوصف عن ملاحقتهالكن سقطرى أكبر من صورة جميلة.
إنها موطنٌ لتنوع حيوي استثنائي، وكنزٌ طبيعي يحمل في تفاصيله تاريخًا طويلًا من العزلة والتكيف والحياة. ولهذه الخصوصية أصبحت سقطرى واحدة من المواقع الطبيعية ذات القيمة العالمية؛ مكانًا لا يخص اليمن وحده من حيث أهميته البيئية، وإن كان يمنيَّ الهوية والجغرافيا والتاريخ والانتماء.
وحتى وإن حاولت أيُّ دولةٍ أو قوةٍ طامعة أن تتوهّم أن سقطرى يمكن أن تصبح يومًا ملكًا لها، فإن سقطرى نفسها تأبى ذلك وتستنكره؛ فالأرض تعرف أهلها، والتاريخ لا تمحوه الأطماع، والجغرافيا لا تعيد كتابة نفسها إرضاءً لرغبات العابرين. ستظل سقطرى يمنيةً، مهما تبدلت المصالح وتكاثرت الأطماع؛ لأن هوية الأرض أعمق من أن تغيّرها يدٌ طارئة أو نفوذٌ عابر.
ولعل أجمل ما في سقطرى أنها تكسر الصورة النمطية التي اختُزل فيها اليمن طويلًا.
فاليمن ليس أخبار حرب فقط، ولا أزمات وصراعات كما تقدمه نشرات الأخبار.
اليمن هو صنعاء القديمة، وشبام، وحضرموت، وبن اليمن، وتاريخٌ ضاربٌ في أعماق الحضارة…
واليمن أيضًا سقطرى.
جبال حجهر الشامخة – دهشة جغرافية تحفظ للأرض شيئًا من صورتها الأولىغير أن الجمال وحده لا يحمي نفسه.
وهنا تبدأ المسؤولية.
فسقطرى ليست أرضًا للاستنزاف، ولا مشروعًا عابرًا للمصالح، ولا لوحةً سياحية نستهلك جمالها ثم نغادر. إنها أمانة وطنية وإنسانية، وحمايتها واجب على الدولة والمجتمع وكل من يدرك أن بعض الكنوز إذا فُقدت لا يمكن للمال ولا للتكنولوجيا أن تعيد خلقها.
إننا نستطيع أن نبني مدينةً جديدة، وأن نشق طريقًا جديدًا، وأن نقيم مبنىً جديدًا…
لكننا لا نستطيع أن نصنع سقطرى أخرى.
وهنا تكمن قيمتها الحقيقية.
نباتات نادرة اختارت هذه الأرض موطنًا لها دون سواها – شجرة القارورة المتوطنة في سقطرىكما أن الحديث عن سقطرى لا يكتمل دون الإنسان السقطري؛ ذلك الإنسان الذي عاش طويلًا في حوار هادئ مع البحر والجبل والشجرة، وصنع ثقافته ولهجته وعاداته ومعارفه من رحم المكان.
فالإنسان في سقطرى ليس ضيفًا على الطبيعة، بل جزءٌ من ذاكرتها.
ولهذا فإن حماية سقطرى تعني أيضًا حماية إنسانها وهويته وثقافته وحقه في التنمية التي تحترم بيئته، لا التنمية التي تلتهمها.
سقطرى اليوم لا تحتاج منا إلى الإعجاب فقط، بل إلى الوعي.
لا تحتاج إلى أن نقول: ما أجملها!
بل أن نسأل: كيف نحافظ عليها؟
فالأوطان العظيمة لا تفاخر فقط بما ورثته من الأجداد، بل بما استطاعت أن تسلّمه سالمًا إلى الأحفاد.
كثبان عرهر البيضاء حيث يلتقي الرمل بالبحر – جمال يتجاوز كل الحدودوستظل سقطرى، مهما تبدلت الأزمنة، قطعةً نادرة من اليمن؛ جزيرةً وضع البحر حولها حدوده، لكن جمالها تجاوز كل الحدود.
سقطرى ليست هامشًا بعيدًا في خريطة اليمن،
بل علامة تعجب كبرى في كتاب الطبيعة.
وحين يسأل العالم يومًا:
ماذا يملك اليمن ليقدمه للجمال؟
لا نحتاج إلى خطاب طويل.
يكفي أن نمد أيدينا نحو بحر العرب، ونقول بكل فخر:
هناك… سقطرى.
سقطرى يمنية الأرض، عالمية الدهشة، وإنسانية القيمة.
من نحن
مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.
اشترك وساهم
أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.
د عبدالإله الخازندار
تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني








