هشاشة العظام: مرض صامت قد يحول سقطة بسيطة إلى إعاقة طويلة
Author
-
الدكتور زياد محيو
جرّاح عظام وكاتب لبناني كندي (MD, FRCSC, FAAOS). تخرّج من زغرب 1968 وتدرّب في بيروت ومونتريال. ترأس قسم العظام في مستشفى ڤاليڤيلد 1994-2004، وأدار برنامج التدريب في مستشفى رفيق الحريري 2009-2013. يكتب بالعربية والفرنسية والإنجليزية.النسخة المتوسطة (لصفحة التعريف بالكتّاب - 90 كلمة):
الدكتور زياد محيو - جرّاح عظام وكاتب لبناني كندي
MD، CSPQ، FRCSC، FAAOS. خريج طب زغرب 1968، اختصاص عظام جامعة مونتريال 1971-1977. مارس في بيروت (1977-1989)، وترأس قسم العظام في ڤاليڤيلد، كيبيك (1994-2004)، ثم أدار التدريب الجراحي في مستشفى رفيق الحريري الجامعي (2009-2013). خبير طبي حتى تقاعده 2023. نشر أبحاثاً طبية ومقالات في مجلة «الأفكار»، وعدة كتب في السيرة والمجتمع والذاكرة بين لبنان وكندا.
هشاشة العظام
لذلك لا تُعالج كسور الهشاشة بالطريقة نفسها التي تُعالج بها كسور العظم الطبيعي. لكن الرسالة الأهم ليست جراحية. فالهشاشة غالباً لا تؤلم قبل حدوث الكسر، ومع ذلك يمكن كشفها وتقدير خطرها والحدّ من عواقبها. الوقاية تبدأ في الطفولة، وتستمر بعد سن اليأس وعند الرجال مع التقدم في العمر، ولا تنتهي عند تناول الكالسيوم وحده.
العظم نسيج حي، وليس هيكلاً ثابتاً. ففيه خلايا تزيل أجزاء مجهرية قديمة أو متضررة، وخلايا أخرى تبني عظمًا جديدًا. تسمى هذه العملية إعادة التشكيل العظمي، وهي ضرورية لإصلاح الضرر الدقيق وتنظيم المعادن. لكن معدلها ليس رقماً ثابتاً عند جميع الناس؛ فهو يتبدل بحسب العمر، والهرمونات، والمرض، والأدوية، والنشاط البدني.
في الطفولة والمراهقة يتغلب البناء على الهدم، فتزداد الكتلة والقوة. يصل معظم الناس إلى ذروة الكتلة العظمية قرابة سن الثلاثين. بعد ذلك يبدأ الفقد التدريجي. لدى النساء يتسارع الفقد حول سن اليأس بسبب انخفاض الإستروجين. والرجال أيضاً يصابون بالهشاشة، ولا سيما مع التقدم في العمر أو نقص الهرمونات أو الأمراض المزمنة أو بعض العلاجات.
تعتمد قوة تثبيت البرغي على كثافة القشرة والترابيق وعلى اتجاه القوى وتصميم الزرع. عندما تكون البنية مسامية، ينخفض تماسك السنون مع العظم، فيزداد خطر اقتلاع البرغي أو انزياح الكسر قبل الالتئام. وقد يحتاج الجرّاح إلى تخطيط مختلف: زرعات مخصصة للعظم الهش، براغٍ مقفلة، تثبيت أطول أو موزع، تدعيم بالإسمنت في حالات مختارة، أو تغيير طريقة إعادة البناء. لا توجد تقنية واحدة تناسب كل مريض.
وينطبق المبدأ نفسه على المفاصل الاصطناعية. قد يؤدي ضعف العظم إلى صعوبة تحقيق الثبات الأولي أو إلى كسر حول المفصل أو ارتخاء لاحق. لذلك فإن معرفة حالة العظم قبل الجراحة الاختيارية، وتصحيح العوامل القابلة للعلاج، والتخطيط للوقاية من السقوط، أمور لها قيمة عملية وليست مجرد أرقام في التقرير.
في العمود الفقري قد يحدث الكسر الانضغاطي بعد حركة بسيطة أو من دون حادث واضح. بعض الكسور مؤلم، وبعضها يمر من دون تشخيص. تكرارها قد يسبب نقص الطول، وانحناء الظهر إلى الأمام، واضطراب التوازن والتنفس والحركة. ألم الظهر المفاجئ عند شخص مسن، أو نقص الطول، أو ازدياد الحداب، يستحق تقييماً طبياً؛ ولا ينبغي اعتباره نتيجة طبيعية حتمية للشيخوخة.
لا يوجد برنامج واحد يصلح لكل بلد أو لكل شخص. في الإرشادات الكندية الحديثة يُقترح قياس كثافة العظم للنساء بعد سن اليأس وللرجال بعمر 70 سنة فأكثر حتى دون عوامل خطر، ومن 65 إلى 69 سنة مع عامل خطر واحد، ومن 50 إلى 64 سنة عند وجود كسر سابق متعلق بالهشاشة أو عاملين سريريين أو أكثر. وقد يلزم التقييم في عمر أصغر عند وجود مرض أو دواء يسرّع فقد العظم.
- كسر بعد سقوط من مستوى الوقوف أو من ارتفاع بسيط، ولا سيما بعد سن الأربعين
- كسر سابق في الورك أو الفقرات، أو كسر الورك لدى أحد الوالدين
- استعمال الكورتيزون الفموي مدة طويلة، أو بعض علاجات السرطان ونقص الهرمونات
- سقوط متكرر، نقص وزن واضح، تدخين، تناول مرتفع للكحول، أو قلة حركة شديدة
- التهاب المفاصل الروماتويدي، سوء الامتصاص، فرط الدرق أو جارات الدرق
- نقص الطول، زيادة الحداب، أو ألم ظهر جديد قد يشير إلى كسر فقري غير مكتشف
- أمراض مزمنة أخرى تؤثر على العظم
- قلة التعرض للشمس ونقص فيتامين د والبروتين
يعطي الفحص قيمة تسمى T-score تقارن كثافة عظم الشخص بكثافة مرجعية لدى البالغين الشباب. لدى النساء بعد سن اليأس والرجال في سن الخمسين أو أكثر، يشير T-score يساوي −2.5 أو أقل عادة إلى الهشاشة. لكن قرار العلاج لا يعتمد على هذا الرقم وحده؛ فقد يكون الخطر مرتفعاً بسبب كسر الورك أو الفقرات، أو تعدد الكسور، أو العمر والسقوط والأدوية حتى عندما لا تصل الكثافة إلى هذا الحد. أدوات مثل FRAX تقدّر احتمال الكسر خلال عشر سنوات وتساعد الطبيب على جمع هذه العناصر.
DXA اختصار لـ Dual-energy X-ray Absorptiometry - قياس امتصاص الأشعة السينية مزدوجة الطاقة. الفحص المرجعي لقياس كثافة المعادن في العظام.
كيف يُجرى؟ يستلقي المريض على طاولة خاصة، ويقيس الجهاز كثافة العظم في الفقرات القطنية وعنق عظم الفخذ والورك والساعد أحياناً. غير مؤلم، يستغرق 10-20 دقيقة، بجرعة أشعة قليلة جداً.
النتائج:
• طبيعي: T-score −1 أو أعلى
• نقص كتلة: بين −1 و −2.5
• هشاشة: −2.5 أو أقل
ملاحظة: قد تعطي التغيرات التنكسية في العمود الفقري قراءة مرتفعة كاذبة، لذلك يجب مقارنة العمود والورك وتفسيرها سريرياً.
تحميل العظم بصورة مناسبة يحفز المحافظة على قوته، كما أن العضلات القوية والتوازن الجيد يقللان السقوط. الأفضل برنامج يجمع تمارين المقاومة مرتين أو أكثر أسبوعياً، وتمارين تحمل الوزن بحسب القدرة، وتمارين التوازن يومياً أو بانتظام. عند وجود كسور فقرية أو خطر سقوط مرتفع ينبغي أن يصمم البرنامج اختصاصي علاج طبيعي، مع تجنب الانحناء القسري المتكرر والالتفاف المفاجئ وحمل أوزان غير مناسبة.
يُفضّل الحصول على الكالسيوم من الغذاء، مع كمية كافية من البروتين والطاقة. قد يُستخدم مكمل لسد النقص فقط، لأن الإفراط ليس أفضل. وتختلف الحاجة إلى فيتامين د بحسب العمر والتعرض للشمس والمرض والبلد؛ في كندا توصي السلطات عادة من تجاوزوا الخمسين بمكمل 400 وحدة دولية يومياً للمساعدة في بلوغ الاحتياج، وقد يقرر الطبيب جرعة أخرى عند وجود نقص أو خطر مرتفع. لا ينبغي وصف جرعات كبيرة ذاتياً.
افحص النظر والسمع والقدمين، وراجع الأدوية التي تسبب الدوار أو النعاس، وعالج انخفاض الضغط، وحسّن الإضاءة، وثبّت السجاد والأسلاك، واستخدم الدرابزين وحذاءً ثابتاً. هذه الخطوات قد تمنع الكسر حتى قبل أن تتغير كثافة العظم.
عندما يكون خطر الكسر مرتفعاً، قد يوصي الطبيب بأدوية مضادة للارتشاف مثل البيسفوسفونات أو دينوسوماب، أو بأدوية بانية للعظم في حالات مختارة، ثم يحدد المدة والتتابع والمتابعة. اختيار العلاج يعتمد على نوع الكسور والخطر ووظائف الكلى والعمر والأمراض الأخرى. من المهم خصوصاً عدم إيقاف دينوسوماب أو تأخيره من دون خطة طبية بديلة، لأن ذلك قد يسبب فقداً سريعاً للعظم وكسوراً فقرية.
من خبرة جرّاح العظام، علاج الكسر في عظم هش قد يكون معركة تقنية، لكن كثيراً من هذه المعارك يمكن منعه قبل أن تبدأ. السؤال المفيد ليس: هل أشعر بألم؟ بل: هل لدي عوامل خطر؟ وهل سبق أن تعرضت لكسر بسيط؟ الكشف المبكر، الحركة الآمنة، الغذاء المتوازن، منع السقوط، والعلاج الدوائي عند الحاجة تحمي الاستقلال والحركة ونوعية الحياة.
جميع مقالات الكاتب ←
تنبيه: هذا المقال للتثقيف العام ولا يغني عن تقييم الطبيب، خصوصاً بعد كسر أو سقوط أو ألم ظهر جديد.
من نحن
مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.
اشترك وساهم
أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.
د. زياد محيو
تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني








