المهاجرون إلى دول الغرب: بين الاندماج والعزلة وأزمة التعايش

Author

  • الدكتور هيكل الراعي، أستاذ جامعي، نال الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة السوربون (فرنسا) ومارس التعليم الجامعي لأكثر من ثلاثة عقود. عمل في الصحافة بين باريس ولندن، وتولّى مراكز إدارية عليا ( مدير عام) في الجامعة اللبنانية وفي عدد من الوزارات اللبنانية. شارك في مؤتمرات عربية ودولية، ولديه عدد كبير من الأبحاث والدراسات والمقالات.

     

الهجرة والاندماج والمواطنة المشتركة | جسور
دراسة فكرية • جسور ثقافية - مونتريال

الهجرة بين الاندماج والعزلة: نحو عقد اجتماعي جديد للمواطنة المشتركة

أصبحت الهجرة، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي المعاصر، واحدة من أبرز الظواهر التي تسهم في إعادة تشكيل المجتمعات والدول. لم تعد مجرد انتقال فرد، بل ظاهرة مركبة ذات أبعاد ديموغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية.
الهجرةالاندماجالمواطنةالتعددية الثقافيةاليمين المتطرفالعدالة الاجتماعية

المقدمة

أصبحت الهجرة، في ظل التحولات العميقة التي يشهدها النظام العالمي المعاصر، واحدة من أبرز الظواهر التي تسهم في إعادة تشكيل المجتمعات والدول. ومع اتساع نطاق العولمة وتزايد حركة انتقال البشر ورؤوس الأموال والسلع والخدمات، لم تعد الهجرة مجرد انتقال فرد أو أسرة من دولة إلى أخرى بحثًا عن الأمن أو العمل أو الاستقرار، وإنما تحولت إلى ظاهرة مركبة ذات أبعاد ديموغرافية واقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية، تترك آثارًا متبادلة في المجتمعات المرسِلة والمجتمعات المستقبِلة على السواء.

وقد أسهمت الحروب والنزاعات المسلحة والأزمات الاقتصادية والسياسية، ولا سيما في مناطق الشرق الأوسط وأفريقيا، في إنتاج موجات واسعة من الهجرة واللجوء باتجاه أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا وغيرها. وفي المقابل، وجدت دول عديدة في المهاجرين موردًا بشريًا واقتصاديًا تحتاج إليه، خصوصًا في ظل انخفاض معدلات الولادات، وارتفاع متوسط الأعمار، وتراجع حجم القوى العاملة، والنقص المتزايد في اليد العاملة في قطاعات إنتاجية وخدماتية متعددة.

غير أن العلاقة بين المهاجر والمجتمع المضيف تجاوزت إطارها الاقتصادي والقانوني لتصبح مرتبطة بصورة وثيقة بمسائل الهوية والانتماء والقيم المشتركة. فلم تعد القضية تقتصر على كيفية استقبال المهاجر وتنظيم إقامته وعمله، بل أصبحت تتعلق بقدرة المجتمع على استيعاب التنوع من دون أن يفقد تماسكه ووحدته. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: كيف يمكن تحقيق اندماج المهاجرين في المجتمعات المضيفة من دون مطالبتهم بالتخلي الكامل عن هوياتهم وثقافاتهم، ومن دون أن يؤدي احترام التنوع إلى قيام مجتمعات متوازية ومنعزلة داخل الدولة الواحدة؟

الهجرة بين دوافع الرحيل وحاجات الاستقبال

ليست الهجرة ظاهرة مستحدثة، بل رافقت الإنسان منذ نشوء المجتمعات البشرية. ويمكن تفسيرها من خلال التفاعل بين عوامل الطرد وعوامل الجذب؛ فالحروب والفقر والبطالة والفساد والاضطهاد وانعدام الاستقرار تدفع الإنسان إلى مغادرة موطنه، في حين تمثل المواطنة وفرص العمل والأمن والاستقرار والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية وارتفاع مستوى المعيشة عوامل جذب إلى مجتمع آخر.

ومن هذا المنظور، فإن الهجرة ليست فعلًا أحادي الاتجاه يحصل فيه المهاجر وحده على المنافع، وإنما هي، في كثير من الحالات، علاقة تقوم على قدر من المصلحة المتبادلة. فالمهاجر يبحث عن الأمن وفرص الحياة، والمجتمع المضيف يحتاج بدوره إلى المهاجرين، ولا سيما عندما يعاني نقصًا في اليد العاملة أو اختلالًا في بنيته الديموغرافية.

وقد استقبلت دول غربية عديدة أعدادًا كبيرة من المهاجرين خلال مراحل تاريخية كانت اقتصاداتها بحاجة فيها إلى العمال والمهارات والخبرات، وأسهم الوافدون في سد النقص في قطاعات متعددة وتعزيز النمو الاقتصادي والديموغرافي. إلا أن العامل الاقتصادي لا يكفي وحده لفهم طبيعة العلاقة بين الطرفين؛ فالمهاجر ليس مجرد قوة عمل، والمجتمع المضيف ليس مجرد سوق للعمل. إن انتقال الإنسان يعني أيضًا انتقال اللغة والثقافة والذاكرة والتقاليد والعادات والمعتقدات والشبكات الاجتماعية. ولذلك فإن الاندماج عملية اجتماعية وثقافية طويلة الأمد تتجاوز بكثير الحصول على وظيفة أو إقامة قانونية.

تعدد نماذج استقبال المهاجرين

لا تتعامل الدول المستقبلة للمهاجرين مع الهجرة وفق نموذج واحد، بل تختلف سياساتها تبعًا لتاريخها وتركيبتها الديموغرافية وطبيعة اقتصادها وفلسفتها السياسية والاجتماعية. فقد اعتمدت دول مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا تاريخيًا على الهجرة بوصفها أحد العناصر الأساسية في بناء مجتمعاتها الحديثة، وأتاحت، بدرجات مختلفة، فرص الإقامة الدائمة والتجنس والمشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وفق شروط قانونية محددة.

أما بعض الدول الأوروبية، فقد ارتبطت الهجرة فيها بإرث تاريخي مختلف، ولا سيما نتيجة انتقال أعداد كبيرة من سكان المستعمرات السابقة إلى الدول الأوروبية بعد انتهاء الحقبة الاستعمارية. ولذلك حملت الهجرة في هذه الحالات أبعادًا تاريخية وثقافية وسياسية ومخزون قهر وعنف واستغلال لا تزال تؤثر في علاقة المهاجر بالمجتمع المضيف.

وفي المقابل، طورت دول الخليج العربي نموذجًا مختلفًا يقوم بصورة أساسية على استقدام العمال وأصحاب الاختصاص لتلبية حاجات الاقتصاد، مع الإبقاء على الفصل بين الإقامة والعمل من جهة، واكتساب المواطنة والتوطين الدائم من جهة أخرى.

يكشف هذا التباين أن مفهوم الهجرة ليس واحدًا في كل المجتمعات؛ ففي بعض الدول ارتبطت الهجرة تاريخيًا بمشروع بناء المجتمع والمواطنة، بينما ارتبطت في دول أخرى بعلاقة اقتصادية أو مهنية قد تطول من دون أن تؤدي بالضرورة إلى اكتساب الجنسية أو الانتماء السياسي الكامل.

من الاندماج الاجتماعي إلى خطر العزلة

إن وصول المهاجر إلى مجتمع جديد لا يعني بالضرورة اندماجه فيه. ففي السنوات الأولى، يحتاج المهاجر إلى الشعور بالأمان والاستقرار والانتماء، ولذلك يميل طبيعيًا إلى الاقتراب من أبناء وطنه أو جماعته الثقافية والدينية، والسكن في المناطق التي يتركز فيها أفراد الجالية، والاستفادة من دور العبادة والجمعيات الثقافية والاجتماعية. ولا ينبغي النظر إلى هذا السلوك، في مراحله الأولى، باعتباره مشكلة بحد ذاته؛ فهو قد يمثل آلية طبيعية للتكيف مع الانتقال من بيئة اجتماعية وثقافية إلى أخرى. إلا أن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه المرحلة الانتقالية إلى نمط دائم من الانغلاق الاجتماعي والثقافي.

عندئذ قد تنشأ داخل المدن الكبرى أحياء ومجتمعات فرعية تتمتع بدرجة مرتفعة من الاستقلال الثقافي والاجتماعي، وتعيش ضمن فضاء لغوي وثقافي وديني يختلف جزئيًا أو كليًا عن الفضاء العام. وهنا ينتقل الأمر من الحفاظ المشروع على الخصوصية الثقافية إلى احتمال نشوء عزلة اجتماعية تعيق التواصل مع بقية مكونات المجتمع.

ولا تكمن المشكلة في التنوع الثقافي ذاته؛ فالتنوع يمكن أن يكون مصدر ثراء وتفاعل إنساني. وإنما تكمن في تحوله إلى انقسام اجتماعي دائم، حين تتراجع الهوية الوطنية الجامعة لمصلحة هويات فرعية متوازية لا يجمع بينها إلا الإطار الجغرافي للدولة. ومن ثم، فإن الاندماج لا يعني القضاء على الاختلاف، كما أن التعددية الثقافية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لقيام مجتمعات منفصلة داخل الدولة الواحدة. والتحدي يتمثل في بناء صيغة تسمح بالتعدد ضمن إطار الوحدة الوطنية والمواطنة المشتركة.

الحفاظ على الهوية وحدود الاندماج

يصل المهاجر إلى المجتمع الجديد حاملًا ثقافته ولغته وذاكرته وتقاليده ومعتقداته وعلاقاته الاجتماعية. وهذه العناصر تمثل مكونات أساسية في تكوين الشخصية الفردية والجماعية؛ ولذلك فإن مطالبته بالتخلي الكامل عن ثقافته وهويته ليست واقعية، وقد تكون مدخلًا إلى الاغتراب بدلًا من أن تكون طريقًا إلى الاندماج. وفي المقابل، لا يعني احترام ثقافة المهاجر إعفاءه من الالتزام بالقوانين والقواعد الأساسية التي تنظم الحياة العامة في الدولة المضيفة. وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الهوية الثقافية الخاصة والقواعد المشتركة للحياة العامة.

فمن حق الإنسان أن يحافظ على لغته وعاداته وذاكرته الثقافية وممارساته الدينية، ما دام يمارسها في إطار القانون ويحترم حقوق الآخرين. لكنه، في الوقت نفسه، ملزم باحترام الدستور والقوانين والمساواة أمام القانون وحقوق الإنسان والحريات الأساسية التي تشكل الإطار الناظم للحياة العامة. وعليه، لا ينبغي أن يقوم الاندماج على محو هوية المهاجر، كما لا ينبغي أن يؤدي إلى تفكيك هوية المجتمع المضيف. والمطلوب هو إنشاء مساحة مشتركة للمواطنة تلتقي فيها الهويات المختلفة حول مجموعة من القيم والمبادئ والقواعد التي يتساوى الجميع أمامها.

الدين والمقدسات وإشكالية حدود التسوية

تزداد إشكالية الاندماج تعقيدًا عندما يتعلق الأمر بالدين والمقدسات، فالمعتقد الديني بالنسبة إلى المؤمن ليس مجرد عادة اجتماعية، بل يمثل في كثير من الأحيان جزءًا عميقًا من هويته ووجوده وذاكرته الجماعية. ومن ثم، فإن محاولة دفع المهاجر إلى التخلي عن معتقداته الدينية أو ممارسة شعائره بصورة سرية أو هامشية قد تأتي بنتائج عكسية، لأنها قد تدفعه إلى مزيد من الانغلاق والتشبث بهويته. وفي المقابل، فإن احترام الحرية الدينية لا يعني السماح لأي جماعة بفرض قواعدها الخاصة على المجتمع بأكمله أو بممارسة سلوك يتعارض مع القانون أو ينتقص من حقوق الآخرين.

القاعدة التي ينبغي أن تحكم هذه العلاقة هي: حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر مصونة، ولكن القانون العام واحد للجميع. فالمجتمع الديمقراطي يستطيع حماية التعدد الديني والثقافي من دون أن يسمح بتعدد القوانين أو بتقسيم المجال العام إلى نظم اجتماعية متنافسة.

الفقر والتهميش عائقان أمام الاندماج

لا يمكن تحليل أزمة الاندماج بعيدًا عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي يعيش فيها قسم من المهاجرين. فالمهاجر الذي يجد نفسه في أحياء تعاني الفقر والبطالة وضعف التعليم والخدمات وانتشار الجريمة والمخدرات (ضواحي المدن الكبرى)، تكون فرص اندماجه في المجتمع الأوسع محدودة بالضرورة. وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما ينشأ أبناء المهاجرين في هذه البيئات؛ إذ قد يشعرون بأنهم يعيشون على هامش المجتمع الذي يحملون جنسيته أو ينتمون إليه قانونيًا، وأن فرصهم في التعليم والعمل والحراك الاجتماعي هي أقل من فرص غيرهم.

وهنا تظهر مفارقة اجتماعية عميقة: فقد يصل الإنسان إلى دولة جديدة بحثًا عن حياة أفضل، ثم يجد نفسه وأبناءه في بيئة اجتماعية مغلقة تحد من إمكانات صعودهم الاجتماعي. لذلك لا يمكن اختزال سياسة الاندماج في تعلم اللغة أو الحصول على الجنسية، بل يجب أن تكون سياسة اجتماعية واقتصادية متكاملة تشمل التعليم والإسكان والعمل ومكافحة التمييز وتحقيق تكافؤ الفرص. فالاندماج الذي لا يرافقه حراك اجتماعي واقتصادي يظل اندماجًا ناقصًا، وقد يتحول الفقر والتهميش إلى عوامل تعيد إنتاج العزلة من جيل إلى آخر.

مسؤولية المجتمع المضيف

لا يمكن تحميل المهاجر وحده مسؤولية نجاح الاندماج؛ فالدولة والمجتمع المضيف يتحملان بدورهما مسؤولية أساسية في توفير شروطه. وليس من الواقعي مطالبة المهاجر بالاندماج في مجتمع يشعر بأنه يرفضه أو يميز ضده أو يحصره في وظائف متدنية أو يدفعه إلى أحياء مهمشة. كما أن الخطاب السياسي والإعلامي الذي يصور المهاجر باعتباره خطرًا أمنيًا أو ثقافيًا بصورة جماعية يمكن أن يعمق شعوره بالعزلة ويغذي نزعات التشدد لدى بعض الفئات.

لكن مسؤولية المجتمع المضيف لا تعني التخلي عن المبادئ التي يقوم عليها النظام العام. فالمجتمع يحتاج إلى حدود واضحة لما هو مقبول وغير مقبول في المجال العام، وإلى تطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع. ومن ثم، فإن الانفتاح على التنوع لا يعني التخلي عن الهوية الوطنية، كما أن الدفاع عن الهوية الوطنية لا ينبغي أن يتحول إلى عداء للأجانب أو رفض للتعدد.

المجتمعات المتوازية وأزمة الأجيال الجديدة

لعل أخطر نتائج فشل سياسات الاندماج تتمثل في نشوء مجتمعات متوازية داخل الدولة الواحدة؛ أي مجتمعات تمتلك فضاءاتها الاجتماعية والثقافية ومدارسها وشبكاتها الاقتصادية والإعلامية ومرجعياتها الخاصة، بحيث تتراجع صلاتها بالمجتمع الأوسع. وتصبح المشكلة أكثر تعقيدًا لدى أبناء الجيل الثاني والثالث، الذين قد يجدون أنفسهم أمام أزمة هوية مركبة؛ فهم ليسوا جزءًا كاملًا من ثقافة آبائهم، وفي الوقت نفسه قد لا يشعرون بأن المجتمع الذي ولدوا ونشأوا فيه يعترف بهم بصورة كاملة.

وقد تنتج هذه الازدواجية مشاعر الاغتراب والرفض، وهي مشاعر يمكن أن تستغلها جماعات متطرفة ذات توجهات دينية أو قومية أو يمينية متشددة. ولذلك ينبغي ألا تقوم معالجة هذه الأزمة على مطالبة الأجيال الجديدة بالاختيار القسري بين ثقافتين، بل على تمكينها من بناء هوية مركبة يكون فيها الانتماء الوطني إطارًا جامعًا لا يلغي الجذور الثقافية.

صعود اليمين المتطرف وحدود الإقصاء

في الاتجاه المقابل، لا تقدم سياسات الإقصاء الجماعي التي تتبناها بعض الحركات والأحزاب اليمينية المتطرفة حلًا مستدامًا لمشكلة الهجرة. فتحميل جميع المهاجرين مسؤولية الجرائم التي يرتكبها أفراد منهم، أو الربط التلقائي بين الهجرة والإرهاب والجريمة، يؤدي إلى تعميق الانقسام الاجتماعي بدل معالجته. فمعالجة الجريمة يجب أن تكون فردية وقانونية، لا جماعية وقائمة على الأصل أو الدين أو الخلفية الثقافية. وسيادة القانون تعني مساءلة الفرد عن أفعاله، لا معاقبة جماعة كاملة بسبب أفعال بعض أفرادها.

غير أن رفض الخطابات العنصرية لا ينبغي أن يمنع النقاش العام حول سياسات الهجرة. فالمجتمعات الديمقراطية تحتاج إلى نقاش عقلاني حول حجم الهجرة، وقدرة الدولة على الاستيعاب، وسياسات الإسكان والتعليم والعمل، وآليات التجنيس، ومتطلبات الاندماج، ومدى احترام القانون. وبالتالي، فإن مواجهة التطرف اليميني لا تعني تجاهل المشكلات الحقيقية التي قد تنتج عن سوء إدارة الهجرة، كما أن الاعتراف بتحديات الهجرة لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للعنصرية والإقصاء.

نحو عقد اجتماعي جديد بين المهاجر والمجتمع المضيف

تكمن المشكلة، في جوهرها، ليس في وجود المهاجر بحد ذاته، وإنما في كيفية إدارة الهجرة وتنظيم عملية الاندماج. فالدول التي تحتاج إلى المهاجرين لأسباب اقتصادية وديموغرافية مطالبة بوضع سياسات واضحة وطويلة الأمد تحقق التوازن بين حاجاتها الاقتصادية وقدرتها على الاستيعاب وبين الحفاظ على تماسكها الاجتماعي.

وفي المقابل، فإن المهاجر الذي اختار الانتقال إلى دولة جديدة مطالب بأن يدرك أن الهجرة ليست مجرد انتقال جغرافي، وإنما هي أيضًا دخول في عقد اجتماعي جديد؛ يفرض احترام القانون والقواعد المنظمة للحياة المشتركة وحقوق الآخرين، والمشاركة في المجتمع الجديد، وتعلم لغته العامة عند الاقتضاء، من دون أن يعني ذلك التخلي عن هويته الثقافية أو الدينية.

وعليه، فإن البديل عن الاستيعاب القسري والعزلة الاجتماعية يتمثل في نموذج ثالث يقوم على التعددية داخل إطار المواطنة المشتركة. فالدولة الحديثة تستطيع أن تكون متعددة الثقافات، لكنها لا تستطيع أن تكون متعددة القوانين؛ ويمكن للمجتمع أن يكون متنوعًا في أصوله وأديانه ولغاته، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى منظومة من القيم والقواعد المشتركة التي يخضع لها الجميع.

خاتمة: من إدارة الهجرة إلى بناء المواطنة المشتركة

لقد أصبحت الهجرة إحدى الحقائق البنيوية للعالم المعاصر، ولم يعد من الممكن التعامل معها باعتبارها ظاهرة مؤقتة أو استثنائية. وستستمر دوافعها ما دامت الفوارق الاقتصادية والسياسية والأمنية بين الدول قائمة، وما دامت بعض المجتمعات تعاني نقصًا في اليد العاملة وانخفاضًا في معدلات الولادات وارتفاعًا في متوسط الأعمار.

غير أن نجاح الهجرة لا يقاس بعدد المهاجرين الذين دخلوا دولة ما، ولا بعدد الذين حصلوا على إقامات أو جنسيات، وإنما بقدرة المجتمع على تحويل الهجرة إلى عملية اندماج اجتماعي ومواطنة مشتركة.

فالاندماج الناجح لا يعني أن يصبح المهاجر نسخة مطابقة للمواطن الأصلي، كما لا يعني أن يعيش المهاجر والمواطن في عالمين اجتماعيين منفصلين. وإنما يعني أن يحتفظ الإنسان بخصوصيته الثقافية والدينية، وفي الوقت نفسه يشعر بأنه جزء من مجتمع واحد، يخضع لقانون واحد، ويتمتع بحقوق متساوية، ويتحمل مسؤوليات مشتركة. أما ترك المهاجرين في أحياء الفقر والتهميش ثم مطالبتهم بالاندماج، أو السماح لهم بإنشاء مجتمعات مغلقة ثم اتهامهم بعدم الاندماج، أو مواجهة الظاهرة بسياسات الإقصاء والعنصرية، فكلها مقاربات قد تؤجل الأزمة لكنها لا تقدم حلًا مستدامًا.

إن مستقبل الدول التي تستقبل مهاجرين لن يتحدد فقط بقدرتها على ضبط حدودها وتنظيم تدفقات الهجرة، وإنما بقدرتها على إدارة التنوع الذي أصبح جزءًا من بنيتها الديموغرافية والاجتماعية. ولذلك لم يعد السؤال الحقيقي: هل نقبل المهاجر أم نرفضه؟ بل أصبح السؤال الأعمق: كيف نبني مجتمعًا قادرًا على استيعاب التنوع من دون أن يفقد وحدته، وعلى الحفاظ على وحدته من دون أن يتحول إلى مجتمع إقصائي؟

وهنا تكمن المعركة الحقيقية حول مستقبل الاندماج والمواطنة في الغرب: ليس في الاختيار بين هوية المهاجر وهوية المجتمع المضيف، وإنما في القدرة على بناء فضاء مواطني مشترك تتعايش فيه الهويات المتعددة ضمن إطار من القانون والمساواة والاحترام المتبادل.

من نحن

مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.

اشترك وساهم

أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.

د. هيكل الراعي
د. هيكل الراعي

تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني

المقالات: 0

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *