الرحلة لم تبدأ بعد: مرشدات في العشرين وفلسفة اللايف كوتشينغ

Author

  • حبيبة أديب (Habiba Adib)

    أديبة لبنانية كندية تقيم في مونتريال، وتكتب في مجالات قصيدة النثر وأدب اليوميات والمقالة. تنشغل كتاباتها بأسئلة الذاكرة والمنفى والهوية، وباستكشاف أثر المدن والأسفار في تشكّل الذات الإنسانية.

    صدر لها «عصفور الشوق» (2023) عن دار روائع للثقافة والنشر والتوزيع، وأُعيدت طباعته في كندا عام 2026. كما يصدر لها قريبًا ديوان شعري باللغة الفرنسية، وتعمل حاليًا على إصدار كتاب «أبجدية الترحال».

     

مرشدات في العشرين لرحلةٍ لم تبدأ بعد، وفلسفة «اللايف كوتشينغ»

بقلم حبيبة أديب

في الطريق إلى العمل

في طريقي الصّباحي المعتاد إلى العمل، حيث مونتريال تُفلت من نعاسها على مهل، وحيث الوجوه تتقاطع كأنها شظايا حكايات غير مكتملة، وجدتني أتأمّل فكرة “الخبرة”:

  • ما الذي يمنح الإنسان حقَّ أن يصف للآخرين كيف يعيشون؟
  • من أين تنبت تلك الجرأة التي تُحوّل التجربة إلى وصفات جاهزة، قابلة للتلقين والاستهلاك؟
  • ما هذا العدد المتزايد من الأصوات التي تخبرنا كيف نعيش؟

ليس السؤال إن كانوا صادقين، وإنّما من أين تأتي هذه الثقة؟ ومن أي مسافةٍ من الحياة يتحدّثون؟ فالحياة أرضٌ لا يتبدّى معناها إلّا لمن وطئتْ قدماه دروبها الوعرة.

متى صار الكلام يسبق العيش؟

في الأيام الأخيرة، وبين تمريرٍ عابر على الفيسبوك، لفتني هذا الحضور المتزايد لوجوه شابة تقدّم نفسها كمرشدات للحياة؛ مقاطع قصيرة، عبارات واثقة، ومواعظ تُقال بخفّة كأنها خلاصة طريقٍ طويل. لم يدهشني الأمر بقدر ما أثار سؤالًا داخليًا: متى صار الكلام عن الحياة يسبق عيشها؟ ومتى أصبح الوصف بديلًا عن التجربة، والشرح سابقًا على الاكتشاف؟

بوصلة اختُبرت في عواصف حقيقية

حين تتحدّث امرأة تجاوزت الأربعين، وقد غاصت يداها في تفاصيل الأيام، وصافح قلبها الخيبات كما صافح النجاحات، وألِفت مذاق الفقد كما ألفت بهجة الاكتشاف، فإنّني أصغي إليها بإحساس مختلف. إنّ كلماتها لا تأتي من فراغ، بل من كتاب حياة كُتب بالحبر الحيّ؛ كتابٌ لا تُقرأ صفحاته إلا بثقل ما فيها من ندوب، وما تمنحه من بصيرة. نضجها ليس حُكمًا مؤجّلًا للعمر، وإنما هو حصيلة تراكمات: صبرٍ طويل، وتأملٍ في مناطق الظلّ والنور داخل النفس، ومواجهةٍ صادقة مع هشاشتها وقوّتها في آن. تلك المرأة، حين تُشير إلى طريق، فإنما تُهدي الآخرين بوصلةً اختُبرت في عواصف حقيقية، لا في محاكاة لغوية أنيقة وغالباً مترجمة. حديثها محمّل بذاكرةٍ معاشةٍ، تفتح أفقًا للتّأمّل.

عبثية المشهد

لكن المشهد يكتسب طابعًا عبثيًّا حين تطلّ عليك شابة في العشرينيات، ما زالت في بدايات اختبار تقلّبات الحياة، ولم تُجرِّب منها إلّا أطرافها الخفيفة؛ فتُعلن بثقةٍ لافتة أنّها مرشدة حياة. تقف خلف شاشة الهاتف وتوزّع نصائح جاهزة عن إدارة المشاعر، وتجاوز الأزمات، وتحقيق التّوازن، كأنّ الوجود معادلة بسيطة تُحلّ ببضع جمل محفّزة. هنا يتسلّل السؤال، لا بوصفه اعتراضًا بقدر ما هو دهشة مشروعة: أين تكمن الخبرة في هذا الادّعاء؟

  • أليست الحكمة ما يترسّب في الروح بعد أن تهدأ عاصفةُ التجربة؟
  • أيمكن للعيش أن يُختصر في دورات سريعة أغلبها عن بعد، أو في عبارات لامعة تُصاغ بعناية لتناسب منصّات التواصل الاجتماعي؟

جوهر الحياة

الحياة، في جوهرها، ليست نصوصًا تُحفَظ، ولا اقتباسات تُردَّد، وإنّما احتكاكات طويلة مع الذات والواقع. إنها مسار من الصدمات الخفيّة، الانكسارات الصامتة، وإعادة التشكّل المستمرة. مسارٌ يحتاج وقتًا ليكشف معانيه، ويحتاج هشاشةً ليصقل صدقه. فكيف لمن لم يخُض عتمة التجربة، ولم يتعثّر في دهاليزها، أن يدّعي امتلاك خارطة طريق للآخرين؟

المفارقة الكبرى

لعلّ المفارقة الكبرى في هذا العصر الرّقمي أنّ النضج، الذي كان ثمرةً تكبر ببطء تحت شمس التجارب، قد تحوّل إلى سلعة سريعة تُصنَّع في ورش افتراضية، وتُسوَّق بمهارة خطابيّة. اختُزلت الرحلة الإنسانية إلى محتوى، واختُزلت الحكمة إلى نصيحة، وأُعيد تعريف الخبرة بوصفها قدرة على الإقناع، لا على المعايشة؛ حتى بدا كأنّ العمق نفسه أصبح يحتاج إلى تسويق، وأنّ الصّمت التأمّلي فقد مكانه أمام اليقين السريع.

لسنا بحاجة لمزيد من المرشدين

ومع ذلك، ليس الاعتراض هنا على الشباب في حدّ ذاته، ولا على حقّهم في البحث أو المشاركة، بل على ذلك الادّعاء الخفي بامتلاك اليقين؛ فالحياة، مهما طال بنا الطريق فيها، تظلّ مفتوحة على احتمالات لا تنتهي، وتظلّ أقسى من أن تُروَّض بجملة، وأوسع من أن تُؤطَّر بنصيحة. كأنّنا، في النهاية، لا نبحث عن حياة أفضل بقدر ما نبحث عمّن يمنح فوضانا معنى. ربّما لهذا السبب يزدهر سوق المرشدين؛ فحين يزداد التردّد في الداخل، ترتفع قيمة الأصوات التي تعد باليقين، ولو كان يقينًا مستعارًا. أو لعلّنا لا نحتاج إلى مزيد من “المرشدين”، بقدر ما نحتاج إلى مزيد من الصدق والتواضع: أن يعترف كلّ منا بمحدوديّة تجربته، وأن يُقدّم صوته كاحتمال، لا كحقيقة نهائيّة. ففي ذلك، وحده، قد يتحرّر الخطاب من عبثه، وتستعيد الخبرة معناها العميق: أن نعيش، لا أن نُعلّم الحياة قبل أن نعرفها؛ وإلا، فما قيمة الحكمة إن لم تعمّدها السنوات بالخيبات والنهوض؟ وهل يمكن لخرائط الورق والشاشات أن تختزل وعورة المسيرة؟ لعلّ السؤال الأعمق هنا ليس كيف نصنع مرشدينا، بل كيف تحوّلنا إلى مجتمعات هشّة، تبحث عن وصفات جاهزة للعيش، وتستجدي بوصلة للحياة؟

الخاتمة

استرسلتُ في هذا التأمل، وكدتُ أن أتورّط بدوري في دور الموجّه، لولا أن تنبّهتُ فجأة إلى ساعتي… لقد أخذني التأمّل في عبث «اللايف كوتشينغ» حتى نسيتُ موعد قطاري، وها أنا أركض ملهوفة خلف عبثي الروتيني الخاص جدًا!

من نحن

مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.

اشترك وساهم

أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.

حبيبة أديب
حبيبة أديب

تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني

المقالات: 0

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *