| يُنصت الأدبُ الشّعبيُّ إلى همس الماضي، ويُصغي إلى نبض الحاضر، فيعقد بينهما صلة حيّة، تنبثق عنها رؤية تستشرف الآتي، مُتماهيةً مع نسيج المجتمع، ومتشابكةً مع خيوط العادات التي تنبض بروح البيئة؛ فيغدو تمثيلًا للتجربة الإنسانيّة في أنقى تجلياتها، حيث يُلامس الإنسان في بساطته الأولى، ويقترب من وجدانه في صدقه العفويّ، وينقل صور الحياة كما عايشها النّاس في تفاصيلهم الدّقيقة، بلا تزويقٍ يبدّد حقيقتها، ولا صناعةٍ تُباعد بين النصّ وروحه. وهو في ذلك يشبه نبعًا خفيّ الجريان، تتراكم في مياهه خلاصة التّجارب، فإذا ما أُحسن الإصغاء إليه، كشف عن طبقاتٍ من المعنى تُعيد ترتيب الوعي، وتُقوّم مسار النّظر إلى الواقع، فتتحوّل الحكاية إلى ميزانٍ للفهم، والمأثورة إلى بوصلةٍ تُهذّب الاختيار، وبذلك يتجاوز الأدب الشّعبيّ حدود السّرد إلى وظيفةٍ أعمق، تتمثّل في إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان وزمنه على نحوٍ أكثر اتّزانًا ووعيًا. ويغدو هذا الأدب في امتداده عبر الأزمنة مرآةً واسعةَ الصّفحة، تنعكس عليها ملامح كلّ عصر بوضوحٍ لا تبلغه كثيرٌ من النّصوص المصوغة في عزلة النُّخَب؛ فهو أشبه بعدسةٍ يقِظةٍ، تلتقط ارتعاشات الواقع في لحظاتها الأولى، قبل أن تستحيل أزماتٍ متراكمة، ثم تحفظها في بنية حكايةٍ أو مثلٍ أو مأثورةٍ تتناقلها الألسن بوصفها ذاكرةً حيّةً لا تنطفئ. وتبرز تحت مظلّة هذا الأدب عبرة “زرقاء اليمامة” بوصفها رمزًا مُكثّفًا لحدّة البصر، إذ أدركت ما خفي عن قومها، وأبصرت الخطر في لحظةٍ كان يمكن أن تُستعاد فيها النّجاة لو صُدّقت رؤيتها، غير أنّ غشاوة الغفلة عطّلت فعل الإدراك، فكان المصير نتيجةً مباشرةً لغياب الإصغاء. وعلى هذا النّحو، يعمل أدبنا الشّعبيّ في عمقه الدّلاليّ، إذ يقدّم إشاراتٍ مماثلةً لتلك العبرة، تُخفيها بساطة الظّاهر، وتُعلنها كثافة المعنى، فتغدو الحكايات تنبيهاتٍ مبكّرة، وتتحوّل الأمثال إلى صيغٍ موجزةٍ لضبط الفهم، وتقويم السّلوك؛ إذ إنّ النّظر إلى هذا الرصيد بعينٍ نافذةٍ، تكشف عن طاقة كامنة قادرة على إنقاذ الحاضر من اختلاله، لكونه مستودع القيم التي صاغتها التّجربة، ومخزن التوازن الذي افتقده زمنٌ أثقلته المادّيّة، وضاق فيه أفق المعنى؛ فلو أنّ القوم أنصتوا إلى زرقاء اليمامة لنجوا من عاقبةٍ كانت ماثلةً أمامهم، ولو أنّ الإنسان المُعاصر يُحسن الإصغاء إلى أدبه الشّعبيّ، لأدرك من خلاله ما يُعيد ترتيب رؤيته، ويهديه إلى صراطٍ ينسجم مع أصالته، فمأثوراتنا تشبه المصابيح المنصوبة على دروب مُتشعّبة مُنتظرة عينًا تُبصرها، وبصيرة تستوعبها، وعندئذٍ نُخرج هذا الأدب إلى علن الواقع، فننفض عنه غبارًا راكمته أيدينا بغفلة تامة، فنجعله القوّة الموجِّهة، ليُنقذ الواقع، حين يُقرأ بحدّة بصرٍ تُوازي تلك التي خُلّدت في الذّاكرة، مُستعيدة للإنسان قدرته على الموازنة بين ما يعيشه وما ينبغي أن يكون. ومن هنا تتعاظم الحاجة إلى أن يتقدّم الأدب الشّعبيّ إلى فضاءات التقديم الواعي، فتحتضنه وسائل الإعلام بوصفه مادةً حيّةً قابلةً لإعادة الصّوغ والبثّ؛ إذ إنّ الحكاية الشّعبيّة، حين تُقدَّم برؤيةٍ مدروسة، تصبح قادرة على استعادة رونقها، وإعادة وصل الإنسان بذاكرته، فتغدو البرامج نافذةً تُطلّ على المُشاهد بمادة قيميّة، بدلًا من المحتوى الاستهلاكيّ العابر الّذي باعد بيننا وبين مكنون ثقافتنا وقيمنا، ليبقى السّؤال: ما الّذي يحول دون أن تستثمر الدّراما هذا الرصيد الثريّ، فتنسج من قصص التّاريخ وحكايات الأوّلين أعمالًا تنبض بالعبرة، وتُعيد تشكيل الوعي في قالبٍ جماليّ يجمع بين المُتعة والفكرة؟ وما الذي يمنع السّينما من أن تجعل من هذه المأثورات مادةً سرديّةً تُحاكي الإنسان في عمقه، بدلًا من الارتهان لقوالب جاهزة تُستورد برؤى لا تنتمي إلى سياقنا؟ إنّ الميل إلى تبنّي أنماطٍ لا تُشبهنا يخلق فجوةً بين الإنسان وذاته الثّقافيّة، ويُضعف صلته بالجذور التي تمنحه توازنه، بينما يكمن الكنز الحقيقيّ في هذا الأدب الشّعبيّ الذي يُشبهنا في لغته، وتفكيره، وصوره، ويمنحنا متعةً نابعةً من ألفةٍ عميقةٍ مع حكاياتٍ صاغتها بيئتنا، وعبّرت عن رؤيتنا للعالم، بوصفها بُنى حيّة قادرة على أن تُعيد تشكيل الحاضر حين تُقدَّم في إطارٍ معاصر، يستوعب روحها، ويُحسن نقلها دون أن يُفرغها من معناها. وعندئذٍ، يغدو الأدب الشّعبيّ منارةً تُضيء الذّاكرة، وتُوجّه البصر نحو مساراتٍ أكثر اتّساقًا مع جوهر الثّقافة، لتُعيد للإنسان شعوره بالانتماء إلى عالمٍ يشبهه، لا إلى صورةٍ مفروضةٍ عليه من خارج حدوده. |

مجلة ثقافية عربية تصل بين الجاليات والأوطان من خلال محتوى فكري وثقافي يعزز الهوية والحوار بين الثقافات







