ضياع

Author

ضياع

ضياع

مسافرة أنا، لست أدري متى ولا إلى أين، لكنني سعيدة بهذه الرحلة.
حزمت حقائبي، وفردتها من جديد فأنا لا أحتاجها ولن آخذها معي.

امتطيت جناح غيمة، وعانقت العصافير التي مرت بجانبي أسرابًا.
أمسكت طرف السماء، ونثرت بعضًا من مياه الموج الثائر، فوق رمال الصحراء العطشى، فالتهمتها بنهم شديد.

دخلت مدينة رائعة الجمال، تجولت في رحابها، دخلت قصورها، افترشت أرصفتها، عانقت شجيرات الياسمين الغافية على أسوارها. جلست أتأملها، داعب جفوني نعاس لطيف فاستسلمت لنوم لذيذ، على إحدى الشرفات الدمشقية.

وحين غفوت زارتني زنوبيا باكية حضارتها الممزقة، وقبلها ماري، وأوغاريت، مررن بالقرب مني وجلسن إلى جانبي، وحين شاهدتا زنوبيا ندبن معًا وبكين معًا.

ثم شاهدت أرتالاً من خرائب البلاد، رجالاً ونساءً ظهورهم محنية، عيونهم مفتوحة، قلوبهم مغلقة، أصواتهم غير مسموعة، يسيرون على نسق واحد، يبحثون عن طريق ليهربوا تاركين خلفهم بعضًا من ذكريات محمومة، وكثيرًا من خوف سكن ثنايا الأرواح، شاردين في خرائب جديدة لم يروها، وبعضهم لم يسمع عنها، آملين ببعض أمان.

وبين الخرائب هنا والخرائب هناك، بعضًا من أرواح هجرت أصحابها، فبعضها اشتراه موج البحر، وبعضها غلبته قسوة الجبال ووعورة الوديان، وهكذا زاد الانتشار والاندثار أكثر وأكثر.

ومن بقي متمسكًا بغصن زيتون، وسنبلة قمح، كان يصلي لله ليجعل النيران المحيطة بهم بردًا وسلامًا.

ومن بعيد مرّت الهاوية، ورتل كبير يلحقها، يتمسك بأطراف عباءتها وهي ترميهم مرّة ببعض الذهب، ومرة بالمال، ومرة بمنصب عالي المقام، توزع المناصب والرتب، والكل يأخذ ويصعد السلم الذي نصبته لهم.

هل هو سلم للصعود؟ أم للسقوط إلى قلب الهاوية؟!
لن يدركوا ذلك إلا بعد فوات الأوان.

بحثت عني بين الجموع لم أجدني هناك، ولا هنا. لقد تهت! تقاذفتني الأجساد، دفعتني في طرقات لا أعرفها، وبين وجوه غريبة، تشردت، اندثرت كما الجميع، وهمت كما الجميع.

أنا الآن هائمة على وجهي، لا علم لي بيومي ولا غدي،
أحمل بعضًا من ذكريات الماضي، لكن ليس لي غد.

من نحن

مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.

اشترك وساهم

أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.

بسمة عبيد
بسمة عبيد

تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني

المقالات: 0

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *