غربة الروح في وطن الشوق

Author

  • عضوه في الجمعيه العراقيه الكنديه كذلك في مركز الحاليه العراقيه و في كورال ٦٠+ناشطه اجتماعيه و ثقافيه

    أكتب الخواطر و القصص القصيره و بعض الاحيان اغاني بمناسبات رياضيه أو سياسيه.

    لا اصنف نفسي شاعره او كاتبه و انما مُحبه للأدب و الثقافه .

    من مواليد بغداد - العراق ١٩٥٤ تركت العراق في بدايات السبعينات لظروف البلاد الغير مستقره. عشت بالخليج لمدة ١٥ عام ثم عشرة سنين في اورپا و عملت هجرة استثمار الى كندا في بداية التسعينات.

    خريجة اداره و اقتصاد - بغداد

    تخصص محاسبه/ ماجستير من جامعة ڤانكوڤر

    لي خواطر  باللغه الانكليزيه و السويديه ايضاً. اما اللغه الفرنسيه فأنا اتكلمها كلغة للتفاهم وليس لي اي نشاط في الكتابه بها.

نصوص أدبية

غربة الروح في وطن الشوق

في ربيع العام الماضي، حزمت زينة حقيبتها. لم تكن رحلة عادية، بل كانت رحلة عبور إلى الشطر الآخر من عمرها. طوال خمسين عاماً في الغربة، كانت بغداد في مخيلتها أيقونة ثابتة لا تتغير: أزقة شارع الرشيد النابضة بالحياة، رائحة الشاي بالهيل في مقهى الشابندر، ضحكات زملاء، وصوت المغني حسين نعمه وهو يغني بين عليَّ الكبر ينساب من المذياع في العصاري الدافئة.

حين هبطت الطائرة في مطار بغداد الدولي، خفق قلبها بشدة. شعرت بلفحة الهواء الدافئ، لكنها لم تجد الألفة التي انتظرتها. استقلت سيارة أجرة متوجهة نحو وسط العاصمة، ومع كل كيلومتر تقطعه، كانت ملامح الصدمة ترتسم على وجهها المثقل بالتجاعيد.

لم تكن هذه بغداد التي خبأتها في قلبها نصف قرن

تأملت الشوارع التي غطتها الكتل الخرسانية الرمادية، والبيوت التراثية ذات الشناشيل الجميلة التي تآكلت وأهملت، وحلّت محلها أبنية تجارية عشوائية مشوهة. حتى شارع الرشيد، مسرح أحلامها القديمة، بدا شاحباً ومثقلاً بغبار الحروب والإهمال. اختفت الوجوه المألوفة، وغابت الملامح التي كانت تعرفها، وحلّ مكانها جيل جديد يعيش واقعاً يختلف تماماً عن ماضيها.

وقفت زينة عند المساء على جسر الجادرية تنظر إلى النهر. كان دجلة، الذي طالما رسمته في مخيلتها دافقاً وعميقاً، ينساب ببطء شديد، وقد انحسرت مياهه وتغيرت معالمه. شعرت بغربة أشد فتكاً من غربتها في الغرب؛ فالغرب هناك كان غربة جسد، أما هنا فكانت غربة روح في وطنها. لقد أدركت في تلك اللحظة الحقيقة المرة: الزمن لا ينتظر أحداً، والمدن تشيخ وتتغير تماماً كالبشر.

عادت زينة من رحلتها إلى مكانها في الغربة حاملة معها دفتراً قديماً، وحقيبة مملوءة بالأوهام. جلست أمام لوحتها البيضاء، وأمسكت الألوان من جديد. لم ترسم بغداد السبعينات الوردية، ولم ترسم بغداد الحاضر الرمادية.

بدلاً من ذلك، مزجت الألوان بجرأة، ورسمت فتاة بعمر العشرين، تقف على ضفة نهر أسطوري لا وجود له إلا في تلافيف ذاكرتها. لقد أدركت زينة أن بغداد الحقيقية التي اشتاقت إليها طوال خمسين عاماً لم تكن بقعة جغرافية يمكن زيارتها بالطائرة، بل كانت زمناً جميلاً رحل ولن يعود، ومكاناً آمناً سيبقى حياً فقط... داخل إطار لوحتها.

النهاية

من نحن

مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.

اشترك وساهم

أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.

مثال الربيعي
مثال الربيعي

تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني

المقالات: 0

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *