الأكَمَة الثقافية ويوم الطين

Author

  •  د. علي منير حرب

    مفكّر لبناني يعيش اليوم في كندا، عُرف بمقارباته النقدية التي تهدف إلى تجديد الفكر العربي . صدر له عدد كبير من المقالات، وكتب العديد من البرامج التلفزيونية، مما جعله من الأصوات الفكرية التي تجمع بين التحليل الفلسفي والعمل الثقافي الإعلامي.

     

متحف الثقافة العربية | مقصورة الألفاظ

إن وراء الأَكَمَة ما وراءها: حقيقة لفظة «الثقافة» بين الأصالة والاستغراب

فيما نجول في مقصورات مُتحف الثقافة العربية، نقع على ما يُدهش من الحقائق! مقالة تكشف ما كان خافياً وراء الأكمة الثقافية.

أصل الكلمة في الغرب

أقرّ اللغويون الغربيون أن لفظة «الثقافة» هي كلمة غربية، وُلدت في القرن الثالث عشر الميلادي، وأصلها cultura باللاتينية، وتمّ نقلها من فعل الفلاحة ورعاية الحقول إلى رعاية العقول.

جدلية المصطلح في اللسان العربي

مصطلح الثقافة في اللسان والمفهوم العربيين شكّل مسألة جدلية، وتحوّل إلى قضية، ولا سيّما مع شيوع ظاهرة «الاستغراب».

«الاستغراب» يعني النزعة التي تميل لتفضيل الغرب على الشرق، وسُمّيت «الاستشراق المضاد»، وظهرت نتيجة الشعور بالانكسار والتخلّف اللذين عمّا البلاد العربية، ودفع ببعض المفكّرين إلى التوجّه غربًا، للحاق بركب (الحضارة المنتصرة).

ما ادّعاه أنصار الاقتباس

١. كلمة مقتبسة

أن كلمة الثقافة دخلت لغتنا العربية «مُقتبَسَة» من الغرب، وأن مفهوم Culture لم يكن موجودًا لدى العرب.

٢. إفشاء سلامة موسى

أن كلمة «ثقافة» بدأ تداولها في منتصف عشرينيات القرن العشرين، بعد أن قام الأديب سلامة موسى بإفشائها: «كنتُ أول مَن أفشى لفظة الثقافة في الأدب العربي الحديث.»

٣. طه حسين

أن الدكتور «طه حسين» هو أول من استخدم هذا المصطلح الجديد في كتابه «مستقبل الثقافة في مصر».

٤. مالك بن نبي

يقول في كتابه «مشكلة الثقافة»: «القواميس لا تذكر هذه الكلمة إلّا لِمامًا... إن كلمة الثقافة كلمة جديدة لم يرِدْ ذكر لها في مؤلفات ابن خلدون أو في العصور السابقة له، ففكرة الثقافة فكرة حديثة جاءتْنا من أوروبا.»

الردّ بالوثائق: الثقافة من صميم العربية

تعالت أصوات الرافضين، الذين استحضروا الوثائق والشواهد، لدحض هذه الادعاءات، والتأكيد على أن كلمة الثقافة هي من صلب اللغة العربية، ومن لحمها ودمها.

ابن منظور في «لسان العرب»: «الجَذر اللغوي للفظة ثقافة هو الفعل الثلاثي ثَقِفَ، بمعنى حَذَق أو مَهَرَ أو فَطَن، أي صار حاذقًا ماهرًا فطِنًا، فهو ثَقِفٌ. وثقَّف الشيءَ تثقيفًا، أي قوّمَ عِوجَه وسوّاه.» وكان العرب يستخدمونها في تسوية الرماح.
ابن سلّام الجمحي في مقدمة «طبقات فحول الشعراء»: «وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم، منها ما تثقفُهُ العين، ومنها ما تثقفُهُ الأذن، ومنها ما تثقفُهُ اليد، ومنها ما يثقفُهُ اللسان.»
ابن خلدون أورد في «مقدمته» كلمة الثقافة بمعانيها الاجتماعية والإنسانية، وميّز بين ثقافتي البداوة والمُدُن. وحتى سلامة موسى نفسه اعترف: «ولم أكن أنا الذي سكّها بنفسه، فإني انتحلتها من ابن خلدون، إذ وجدته يستعملها في معنى شبيه بلفظة (كلتور) الشائعة في الأدب الأوروبي.» كما جاء في كتابه «اليوم والغد».
أبو حفص عمر بن خلف بن مكي - ابن العصر العباسي الذهبي - استعمل كلمة الثقافة قبل ألف عام في كتابه «تثقيفُ اللسانِ وتلقيحُ الجِنان»، واستخدم فيه معاني التقويم والتهذيب خارج ميدان الرماح.

الخلاصة: لكنها من صلب أعمال التهذيب والتأديب والدِربة، وبأن أجداد أجداد الأوروبيين استخدموها أيضًا لإصلاح الأرض، فلماذا يحلّ لهم ما يحرّم على العرب؟!

حكاية للعبرة: يوم الطين

ورد في كتاب «المظلومونَ في التاريخ» للدكتور شاكر مصطفى:

صاحب يوم الطين هو المعتمد بن عبّاد ملك إشبيلية في جنوبي الأندلس، خلال النصف الثاني من القرن الخامس الهجري. أحد ملوك الطوائف، وقائد كبير، وأحد أبطال معركة الزلّاقة، وشاعر من أرقى رجال القوافي.

قصة يوم الطين تتعلق بجارية اسمها اعتماد الرميكية. في إحدى نزهاته مع صديقه الشاعر ابن عمّار، لقيَها المعتمد وأُعجب بها إذْ أجازَتْ على البديهة شطر بيت أعجزه:

نَسَجَ الريحُ على الماءِ زَرَدْ
— يا لهُ دِرْعًا منيعًا لو جمُدْ

وصفّق المعتمد واشترى الرميكية وتزوّجها. وأصبحت سيدة قلبه والبلاط معًا، تُسرف في دلالها ويُسرف في الاستجابة.

طلبتْ إليه أن يُريَها الثلج فزرع لها أشجار اللوز على جبل قرطبة. ورأت يومًا بعض البنّائين يغوصون في الطين بأقدامهم، فاشتهت أن تخوض في الطين كما يفعلون.

فأمر المعتمد فسُحِقت أشياء من الطِيب والكافور، وصُبَّ فيها ماء الورد وعُجِنت حتى عادت كالطين، وخاضت الرميكية فيما تشتهي في عُرس الطين والطِيب.

ثم قلب له الزمان ظهر المِجنّ، وحاصرته جيوش ابن تاشفين، وأُخذ إلى المنفى بجوار مراكش. قضى هناك أربع سنوات، قبل أن يموت فقرًا وغَمًّا. تخلّى عنه الجميع بمن فيهم الرميكية نفسها.

قالت له ذات يوم: ما رأيتُ منك يومًا حَسَنًا.
فتأوّه الملك المنكوب وقال: حتى ولا يوم الطين!؟

قديماً قال إمام البلاغة والبيان في «نهجه» علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
«لا رأي لمن لا يُطاع» — وما أشبه الليلة بالبارحة!

#الثقافة العربية #ابن منظور #ابن خلدون #الاستغراب #يوم الطين

د-علي منير حرب

الثقافة رافعة النهضة
الثقافة والمجتمع

الثقافة رافعة النهضة والمثقّف ذراعها

العدد {{acftxt_3adet_txt}}
{{post_title}}
العدد {{acftxt_3adet_txt}} | {{post_category}}

{{post_title}}

من نحن

مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.

اشترك وساهم

أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.

د-علي منير حرب
د-علي منير حرب

تهدف مجلة جسور الثقافية إلى أن تكون مرجعًا ثقافيًا عربيًا رائدًا في المهجر، وجسرًا حيًّا للتلاقي بين الثقافة العربية والثقافات الوطنية المحلية، ومساحة فاعلة للحوار والإبداع وتعزيز الانتماء الإنساني

المقالات: 0

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *