Author

  • الدكتور هيكل الراعي، أستاذ جامعي، نال الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة السوربون (فرنسا) ومارس التعليم الجامعي لأكثر من ثلاثة عقود. عمل في الصحافة بين باريس ولندن، وتولّى مراكز إدارية عليا ( مدير عام) في الجامعة اللبنانية وفي عدد من الوزارات اللبنانية. شارك في مؤتمرات عربية ودولية، ولديه عدد كبير من الأبحاث والدراسات والمقالات.

     

Type your paragraph here

د. هيكل الراعي

الدكتور هيكل الراعي، أستاذ جامعي، حصل على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة السوربون (فرنسا) وعمل في مجال التعليم الجامعي لأكثر من ثلاثة عقود. مارس الصحافة بين باريس ولندن، وتولى مناصب إدارية عليا (مدير عام) في الجامعة اللبنانية وعدد من الوزارات اللبنانية. شارك في مؤتمرات عربية ودولية، ولديه العديد من الأبحاث والدراسات والمقالات.

الحضارة والثقافة والمثقف

من بحث نُشر عام 1988 في كتاب "لبنان: الثقافة والتغيير" - الحركة الثقافية أنطلياس
لكل شعب حضارته. والحضارة نتاج الرغبة في الخلود... إنها الثورة على الموت.
هي حركة، وليست بسكون. هي رحلة وليست بمرفأ.
ولم تصل أية حضارة معروفة إلى هدف الحضارة بعد.

1. ما هي الحضارة؟

إن الحضارة هي طور طبيعي في حياة المجتمعات. هي غاية البداوة. فالحضارة تميّز المجتمعات التي خرجت من إطار الخضوع المطلق للطبيعة الخارجية أو الذاتية، واكتسبت قيماً أعطت الحياة الاجتماعية معناها، وتعمل هذه الحياة على تدعيمها وتطويرها.

إنها مجموعة المعارف والاعتقادات والقيم والعادات والوسائل المادية المستعملة، التي تميّز مجتمعاً من المجتمعات. وهي تتمثل في شبكة علاقات تتسع أو تضيق جغرافياً وزمنياً، تبعاً لدرجة الاندماج بين أفراد الجماعة الواحدة، أو بين جماعات متمايزة ومتباعدة.

والحضارة دينامية بطبيعتها. هي لا تستمر بالجمود، بل بالتطور، وعناصر تطورها تكمن في التناقضات التي تنمو بين أجزائها. وكما هي متطورة بطبيعتها، هي أيضاً يمكن أن تنهار وتزول، بفعل اصطدامها بحضارة أخرى.

2. اللغة: مرآة الانهيار

أوّل مؤشرات انهيار الحضارة تفكيك اللغة. فاللغة تختزن في ثناياها كلّ عناصر تطور المجتمع. وهي مرآة هذا التطور.

حداثة مستوردة دون تأسيس ثقافي وفكري يضمن استدامتها، خلقت فجوة بين الشكل والمضمون وأعاقت النهضة الحقيقية. الجمع بين التحديث المؤسسي والحداثة الفكرية شرط للنهوض، مع استلهام التجارب العالمية دون قطيعة مع الهوية.

3. الثقافة: قلب الحضارة

والثقافة، أي النشاطات العقلية العليا في مجتمع ما، أو النتاج الفكري لهذا المجتمع، تلعب دور المحرّك في تطوير الحضارة. هي من الحضارة بمثابة القلب. هي ليست كتابة، وإن كانت الكتابة من أركانها. إنها "إمتلاك" للعالم في عملية تحويل وتغيير، تبتدع الجديد، وتفتح الآفاق المغلقة.

والثقافة منحازة، بطبيعتها وبحقيقة سموِّها. هي منحازة الى الجديد ضد القديم، إلى المتغيّر ضد الثابت. ولأنها منحازة عاشت الاضطهاد والقمع. سُجنت وعُذِّب بُناتُها، عشّاق الحرية.

الثقافة ليست شأناً معزولاً عن حركة المجتمع، إنها تحمل سماته وجراحه، وتسعى الى تخطيه. فالفكرُ لا يتشكّل بين السُحب، إنه في علاقة جدلية مع الواقع الفعلي المعيوش.

4. من هو المثقف؟

وعلى المثقفين يطرح السؤال: أمع الجمود أم ضده؟ أمع التغيير أم ضده؟ أمع المحافظة على بنى موروثة هرمة وعلى علاقات محنّطة، أم مع قيامة جديدة وآفاق رحبة تعبّد طريق المستقبل؟

فمنذ البدء كانت الكلمة. ضد القمع كانت. ضد الظلم كانت. ضد الاستغلال كانت. كانت الكلمة للتغيير. كانت للوقوف بوجه تأبيد الواقع وسجنه مع إنسانه، وتكبيله. كانت الكلمة أداة صراع بامتياز في معركة الحياة.

وإذا كانت السياسة عملاً معرفياً أولاً، فهي مشروع ملموس أيضاً. هي توحِّد جدلياً بين النظرية والممارسة. والممارسة لحظة معرفة. لذلك نقول أن السياسة بتطبيقها اليومي هي نشاط معرفي. إنها النشاط الأكثر اكتمالاً، لأنها للإنسان وللمجتمع ومنهما تستمد سيرورة تطورها.

إن جميع البشر مثقفون، لكنّ البشر جميعهم لا يمارسون وظيفة المثقفين في المجتمع. فالتمييز يتم بتحديد وظيفة اجتماعية تمارسها فئة من المثقفين. هذه الفئة لا تشكِّل طبقة اجتماعية معينة. فلكل طبقة اجتماعية مثقفوها، أو هي تتجه لتشكيل هذه الفئة توحيداً لبنيتها السياسية، وتأميناً لانسجامها، وبلورة لوعيها وظيفتها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، حسب أنطونيو غرامشي.

والالتزام يبقى هو الأساس. الالتزام بمصالح الناس، بأحلامهم، وبلقمة العيش لأبنائهم. الالتزام بالمجتمع وتطويره. الالتزام بإحداث النقلة النوعية الكبرى من الظلمة الى النور، ومن الحزن الى الفرح.

5. المثقف المزيّف - كلب الحراسة

يقول جان بول سارتر: "إن المثقف هو ذلك الانسان الذي يتدخل ويحشر نفسه في ما لا يعنيه، ويعارض السياسات الواقعية الموروثة، ويرفض السلوك التقليدي والتصرفات التي تُستوحى منه".

فالمثقف يتصف ويتميز بكونه وكأنه غير مكلّف من أي شخص كان، ولم يتلق مركزه ولم يحصل عليه من أي سلطة كانت. فوجوده، في الواقع، غير مسلّم به، ولا مقبول، طالما أن هذا الوجود هو نفسه، لا يتقبل ذاته، ولا يرضى عن وضعه.

عدو المثقف المباشر

إن أكبر عدو للمثقف هو ما أدعوه بالمثقف المزيّف، وما يسميه الفيلسوف Paul NIZAN "كلب الحراسة" - بمعنى حارس السلطة - أوجدته الطبقة المسيطرة للدفاع عن مصالحها.

لقد نظّر المثقفون المزيفون، في لبنان، للطائفية بكل عناوينها وأشكالها. هدفهم كان ولا يزال منع الالتقاء بين أبناء القضية الواحدة والمجتمع الواحد.

يتقلّب المثقفون المزيفون من موقع الى آخر... يقفزون من انتماء الى نقيضه بسحر ساحر. تتعاقب عليهم الأفكار والمذاهب كتعاقب الملابس. إنهم مرتزقة، يعرضون خدماتهم بالمزاد، ويرون في الثقافة مهنة مربحة.

هم ماركسيون مع الماركسيين، وطائفيون مع الطائفيين، وقوميون مع القوميين، وثوريون مع الثوريين... إنهم كل المواقف ولا موقف، وكل الألوان ولا لون.

6. النقيض والمنهج العلمي

على المثقف أن يبقى في موقع النقيض، يقرأ الواقع بمنهجية علمية، يحلّل بموضوعية، ويقدم البديل. هو يموت ثقافياً إن أسر ذاته في نظرية مغلقة أو في إيديولوجيا. يتحوّل عندها الى صدىً. والأصداء جامدة لا يمكن أن تقود التغيير.

المثقف يجب أن يعيش في أزمة. خروجه من انتمائه العصبي، فردنته، انسلاخه عن واقعه التقليدي، بلورته لانتماء جديد، انفصاله عن بيئته وعدم اندماجه في البيئة الجديدة، إنها أزمة المثقف.

قلة اختارت المواجهة واستمرت، صوتاً صارخاً في البرية. لكنه صوت مزعج. وهو يجب ان يبقى مزعجاً. فالسكون مميت. والهزيمة نهاية.

الخاتمة

نستنتج أن قراءة كتاب الدكتور علي حرب تقدّم تشخيصًا شاملًا لواقع الثقافة العربية ومشكلاتها المتراكمة، وتسلّط الضوء على أزمة مزدوجة يعيشها المثقف بين سلطة قمعية ونخبة عاجزة. في المقابل، تبقى اللغة العربية القلب الحي الذي يحفظ الهوية والذاكرة، لكنها مهددة بالتهميش ما لم يُستعد دورها.

يدعو النص إلى تجديد الثقافة ضمن توازن بين الأصالة والترجمة، والعقلانية والانفتاح، بما يمكن من بعث مشروع نهضوي قائم على النقد والمعرفة.

من نحن

مجلة جسور هي ثمرة تجربة ثقافية إعلامية عمرها 15 سنة، منذ عام 2012 في مونتريال من خلال عدة جمعيات ثقافية ومن تجربة إعلامية لمجلة "منتدانا" (2020)، لتُثمر اليوم مجلة "جسور الثقافية" التي تصدر عن جمعية Horizons Culturels et Sociaux كجسر للتواصل الفكري والاجتماعي بين الجاليات والأوطان.
رئيس تحريرها الكاتب وليد حديد.

تعرف على قصتنا ←

اشترك وساهم

1- اشترك في المجلة 2- ساهم بمقال 3- نحتاج دعمك

أبسط أشكال الدعم وأكثرها أثراً. تابعنا على منصات التواصل، شارك مقالاتنا، وادعُ أصدقاءك للانضمام لمجتمعنا.