Author

  • الدكتور هيكل الراعي، أستاذ جامعي، نال الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة السوربون (فرنسا) ومارس التعليم الجامعي لأكثر من ثلاثة عقود. عمل في الصحافة بين باريس ولندن، وتولّى مراكز إدارية عليا ( مدير عام) في الجامعة اللبنانية وفي عدد من الوزارات اللبنانية. شارك في مؤتمرات عربية ودولية، ولديه عدد كبير من الأبحاث والدراسات والمقالات.

     

Type your paragraph here

د. هيكل الراعي

الدكتور هيكل الراعي، أستاذ جامعي، حصل على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة السوربون (فرنسا) وعمل في مجال التعليم الجامعي لأكثر من ثلاثة عقود. مارس الصحافة بين باريس ولندن، وتولى مناصب إدارية عليا (مدير عام) في الجامعة اللبنانية وعدد من الوزارات اللبنانية. شارك في مؤتمرات عربية ودولية، ولديه العديد من الأبحاث والدراسات والمقالات.

لكل شعب حضارته. والحضارة نتاج الرغبة في الخلود... إنها الثورة على الموت. هي حركة، وليست بسكون. هي رحلة وليست بمرفأ. ولم تصل أية حضارة معروفة إلى هدف الحضارة بعد.إن الحضارة هي طور طبيعي في حياة المجتمعات. هي غاية البداوة. فالحضارة تميّز المجتمعات التي خرجت من إطار الخضوع المطلق للطبيعة الخارجية أو الذاتية، واكتسبت قيماً أعطت الحياة الاجتماعية معناها،وتعمل هذه الحياة على تدعيمها وتطويرها. إنها مجموعة المعارف والاعتقادات والقيم والعادات والوسائل المادية المستعملة، التي تميّز مجتمعاً من المجتمعات. وهي تتمثل في شبكة علاقات تتسع أو تضيق جغرافياً وزمنياً، تبعاً لدرجة الاندماج بين أفراد الجماعة الواحدة، أو بين جماعات متمايزة ومتباعدة. والحضارة دينامية بطبيعتها. هي لا تستمر بالجمود، بل بالتطور، وعناصر تطورها تكمن في التناقضات التي تنمو بين أجزائها. وكما هي متطورة بطبيعتها، هي أيضاً يمكن أن تنهار وتزول، بفعل اصطدامها بحضارة أخرى. وأوّل مؤشرات انهيار الحضارة تفكيك اللغة. فاللغة تختزن في ثناياها كلّ عناصر تطور المجتمع. وهي مرآة هذا التطور. والثقافة، أي النشاطات العقلية العليا في مجتمع ما، أو النتاج الفكري لهذا المجتمع، تلعب دور المحرّك في تطوير الحضارة. هي من الحضارة بمثابة القلب. هي ليست كتابة، وإن كانت الكتابة من أركانها. إنها "إمتلاك" للعالم في عملية تحويل وتغيير، تبتدع الجديد، وتفتح الآفاق المغلقة. والثقافة منحازة، بطبيعتها وبحقيقة سموِّها. هي منحازة الى الجديد ضد القديم، إلى المتغيّر ضد الثابت. ولأنها منحازة عاشت الاضطهاد والقمع. سُجنت وعُذِّب بُناتُها، عشّاق الحرية. الثقافة ليست شأناً معزولاً عن حركة المجتمع، إنها تحمل سماته وجراحه، وتسعى الى تخطيه. فالفكرُ لا يتشكّل بين السُحب، إنه في علاقة جدلية مع الواقع الفعلي المعيوش. وتاريخ الحضارات الإنسانية ينبئنا عن تلك العلاقة المميّزة بين الفكر وبنى المجتمع.وعلى المثقفين يطرح السؤال: أمع الجمود أم ضده؟ أمع التغيير أم ضده؟ أمع المحافظة على بنى موروثة هرمة وعلى علاقات محنّطة، أم مع قيامة جديدة وآفاق رحبة تعبّد طريق المستقبل؟ والسؤال فيه من الثقافة بقدر ما فيه من السياسة. ومنذ متى كان تعارض بين الأثنتين؟ فمنذ البدء كانت الكلمة. ضد القمع كانت. ضد الظلم كانت. ضد الاستغلال كانت. كانت الكلمة للتغيير. كانت للوقوف بوجه تأبيد الواقع وسجنه مع إنسانه، وتكبيله. كانت الكلمة أداة صراع بامتياز في معركة الحياة. معركة التطور والتغيير.وإذا كانت السياسة عملاً معرفياً أولاً، فهي مشروع ملموس أيضاً. هي توحِّد جدلياً بين النظرية والممارسة. والممارسة لحظة معرفة. لذلك نقول أن السياسة بتطبيقها اليومي هي نشاط معرفي. إنها النشاط الأكثر اكتمالاً، لأنها للإنسان وللمجتمع ومنهما تستمد سيرورة تطورها.ومن هو المثقف؟هل هو ذلك الشخص الذي نال قدراً من المعارف العامة والمتخصصة واكتفى؟ أم هو المفكر المتميز بالبصيرة؟ أم هو المفكر المتخصص في أمور الثقافة والفكر المجرد؟ أم هو المثقف العضوي؟ أم هو ذلك المفكر الذي يعرف أن يرد للشعب بشكل منظم ما أُخذ منه بشكل غير منظّم؟إن جميع البشر مثقفون، لكنّ البشر جميعهم لا يمارسون وظيفة المثقفين في المجتمع. فالتمييز يتم بتحديد وظيفة اجتماعية تمارسها فئة من المثقفين. وإذا كان يجوز الحديث عن مثقفين، فالحديث عن غير مثقفين لا قيمة له. هذه الفئة لا تشكِّل طبقة اجتماعية معينة. فلكل طبقة اجتماعية مثقفوها، أو هي تتجه لتشكيل هذه الفئة توحيداً لبنيتها السياسية، وتأميناً لانسجامها، وبلورة لوعيها وظيفتها اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، حسب أنطونيو غرامشي.يتبع على الصفحة الثانية وتصنيف المثقفين يلهج "البعض" من أبواب السلفية والمعاصرة، أو التقليدية والعضوية، أو المحافظة والراديكالية. غير أن الالتزام يبقى هو الأساس. الالتزام بمصالح الناس، بأحلامهم، وبلقمة العيش لأبنائهم. الالتزام بالمجتمع وتطويره. الالتزام بإحداث النقلة النوعية الكبرى من الظلمة الى النور، ومن الحزن الى الفرح.فالمسألة لا تختصر بتغيير "وعي" الناس أو ما يحملون داخل رؤوسهم. المسألة في أن نغيّر النظام السياسي والاقتصادي والمؤسسي لإنتاج المعرفة. هكذا تتوحّد الثقافة بالسياسة.يقول جان بول سارتر:" إن المثقف هو ذلك الانسان الذي يتدخل ويحشر نفسه في ما لا يعنيه، ويعارض السياسات "الواقعية" الموروثة، ويرفض السلوك التقليدي والتصرفات التي تُستوحى منه". فالمثقف يتصف ويتميز بكونه وكأنه غير مكلّف من أي شخص كان، ولم يتلق مركزه ولم يحصل عليه من أي سلطة كانت. قد نتأثر بما يقوله، ولكن ليس من يهتم لوجوده... وتبعاً لذلك، فلا أحد يعطي المثقف أو يسلّم له بأقل حق من الحقوق، ولا بأقل مركز أو وضع. فوجوده، في الواقع، غير مسلّم به، ولا مقبول، طالما أن هذا الوجود هو نفسه، لا يتقبل ذاته، ولا يرضى عن وضعه.المثقف المزيّف،إن أكبر عدو للمثقف، العدو المباشر، هو ما أدعوه بالمثقف المزيّف، وما يسميه الفيلسوف Paul NIZAN  "كلب الحراسة" (بمعنى حارس السلطة)، أوجدته الطبقة المسيطرة للدفاع عن مصالحها. لقد نظّر المثقفون المزيفون، في لبنان، للطائفية بكل عناوينها وأشكالها.هدفهم كان ولا يزال منع الالتقاء بين أبناء القضية الواحدة والمجتمع الواحد. يتقلّب المثقفون المزيفون من موقع الى آخر، يرصدون التيارات الجديدة من أين أتت، ويسيرون فيها دون إحراج. يقفزون من انتماء الى نقيضه بسحر ساحر. تتعاقب عليهم الأفكار والمذاهب والأيديولوجيات كتعاقب الملابس. إنهم مرتزقة، يعرضون خدماتهم بالمزاد، ويرون في الثقافة مهنة مربحة. يستغلون الحدث، ويتاجرون بالشعارات. يقولون ما لا يفكرون، ويفكرون في ما لا يكتبون، ويكتبون ما لا يرسمونه... هم ماركسيون مع الماركسيين، وطائفيون مع الطائفيين، وقوميون مع القوميين، وعربيون مع العرب، وأعاجم مع الأعاجم، وثوريون مع الثوريين، وهامشيون مع الهامشيين. إنهم كل المواقف ولا موقف، وكل الألوان ولا لون. لم يقرأوا يوماً في حياتهم تلك الحكمة إن الوعي بالانتماء الى مجتمع وقضية شرط لثقافة المثقف. وبلورة هذا الوعي في خلق وإبداع تنمية لفكر جدلي مستقل، هو شرط لثقافة المثقف. فالمثقف لا يمكن أن يستمر إلا بالتناقض مع السلطة السياسية مهما كانت أيديولوجيتها. هو لها بمثابة المعارض الدائم. له لون واحد، هو لون المستقبل، ولها لون الماضي، لأن لا سلطة تملك كل الحقيقة، ولا سلطة تجسد المستقبل بكل رؤاه.النقيض والمنهج العلميعلى المثقف أن يبقى في موقع النقيض، يقرأ الواقع بمنهجية علمية، يحلّل بموضوعية، ويقدم البديل. هو يموت ثقافياً إن أسر ذاته في نظرية مغلقة أو في إيديولوجيا. يتحوّل عندها الى صدىً. والأصداء جامدة لا يمكن أن تقود التغيير. المثقف يجب أن يعيش في أزمة. نظرته الى الواقع، أحلامه، رؤاه المستقبلية، كلها تساهم في تعميق أزمته. خروجه من انتمائه العصبي، من التضامن العضوي، فردنته، انسلاخه عن واقعه التقليدي، بلورته لأنتماء جديد، نظرته الجديدة، انفصاله عن بيئته وعدم اندماجه في البيئة الجديدة، إنها أزمة المثقف. كيف ينتقل من سلبية الخروج على تقليدية بنى محيطه الى إيجابية التغيير؟ كيف يجابه هذه البنى بكل ما تختزن من قوى التخلف والتبعية؟هل يجابه مع بعض أقرانه، فيعزل. هل يعود الى هذه البنى تكتيكياً، على أمل التغيير المنشود يوماً ما؟ هذه عناوين الأزمة. قلة اختارت المواجهة واستمرت، صوتاً صارخاً في البرية. لكنه صوت مزعج. وهو يجب ان يبقى مزعجاً. فالسكون مميت. والهزيمة نهاية.* من بحث نشر عام 1988 في كتاب أصدرته "الحركة الثقافية أنطلياس" بعنوان "لبنان: الثقافة والتغيير"   فالمسألة لا تختصر بتغيير "وعي" الناس أو ما يحملون داخل رؤوسهم. المسألة في أن نغيّر النظام السياسي والاقتصادي والمؤسسي لإنتاج المعرفة. هكذا تتوحّد الثقافة بالسياسة. يقول جان بول سارتر:" إن المثقف هو ذلك الانسان الذي يتدخل ويحشر نفسه في ما لا يعنيه، ويعارض السياسات "الواقعية" الموروثة، ويرفض السلوك التقليدي والتصرفات التي تُستوحى منه". فالمثقف يتصف ويتميز بكونه وكأنه غير مكلّف من أي شخص كان، ولم يتلق مركزه ولم يحصل عليه من أي سلطة كانت. قد نتأثر بما يقوله، ولكن ليس من يهتم لوجوده... وتبعاً لذلك، فلا أحد يعطي المثقف أو يسلّم له بأقل حق من الحقوق، ولا بأقل مركز أو وضع. فوجوده، في الواقع، غير مسلّم به، ولا مقبول، طالما أن هذا الوجود هو نفسه، لا يتقبل ذاته، ولا يرضى عن وضعه. إن أكبر عدو للمثقف، العدو المباشر، هو ما أدعوه بالمثقف المزيّف، وما يسميه الفيلسوف Paul NIZAN " كلب الحراسة" (بمعنى حارس السلطة)، أوجدته الطبقة المسيطرة للدفاع عن مصالحها. لقد نظّر المثقفون المزيفون، في لبنان، للطائفية بكل عناوينها وأشكالها. هدفهم كان ولا يزال منع الالتقاء بين أبناء القضية الواحدة والمجتمع الواحد. يتقلّب المثقفون المزيفون من موقع الى آخر، يرصدون التيارات الجديدة من أين أتت، ويسيرون فيها دون إحراج. يقفزون من انتماء الى نقيضه بسحر ساحر. تتعاقب عليهم الأفكار والمذاهب والأيديولوجيات كتعاقب الملابس. إنهم مرتزقة، يعرضون خدماتهم بالمزاد، ويرون في الثقافة مهنة مربحة. يستغلون الحدث، ويتاجرون بالشعارات. يقولون ما لا يفكرون، ويفكرون فيما لا يكتبون، ويكتبون ما لا يرسمونه... هم ماركسيون مع الماركسيين، وطائفيون مع الطائفيين، وقوميون مع القوميين، وعروبيين مع العرب، وأعاجم مع الأعاجم، إن الوعي بالانتماء الى مجتمع وقضية شرط لثقافة المثقف. وبلورة هذا الوعي في خلق وإبداع تنمية لفكر جدلي مستقل، هو شرط لثقافة المثقف. وثوريون مع الثوريين، وهامشيون مع الهامشيين. إنهم كل المواقف ولا موقف، وكل الألوان ولا لون. لم يقرأوا يوماً في حياتهم تلك الحكمة التي تقول: "الحياة وقفة عز فقط". فالمثقف لا يمكن أن يستمر إلا بالتناقض مع السلطة السياسية مهما كانت أيديولوجيتها. هو لها بمثابة المعارض الدائم. له لون واحد، هو لون المستقبل، ولها لون الماضي، لأن لا سلطة تملك كل الحقيقة، ولا سلطة تجسد المستقبل بكل رؤاه.على المثقف أن يبقى في موقع النقيض، يقرأ الواقع بمنهجية علمية، يحلّل بموضوعية، ويقدم البديل. هو يموت ثقافياً إن أسر ذاته في نظرية مغلقة أو في إيديولوجيا. يتحوّل عندها الى صدىً. والأصداء جامدة لا يمكن أن تقود التغيير. المثقف يجب أن يعيش في أزمة. نظرته الى الواقع، أحلامه، رؤاه المستقبلية، كلها تساهم في تعميق أزمته. خروجه من انتمائه العصبي، من التضامن العضوي، فردنته، انسلاخه عن واقعه التقليدي، بلورته لانتماء جديد، نظرته الجديدة، انفصاله عن بيئته وعدم اندماجه في البيئة الجديدة، إنها أزمة المثقف. كيف ينتقل من سلبية الخروج على تقليدية بنى محيطه الى إيجابية التغيير؟ كيف يجابه هذه البنى بكل ما تختزن من قوى التخلف والتبعية؟ هل يجابه مع بعض أقرانه، فيعزل. هل يعود الى هذه البنى تكتيكياً، على أمل التغيير المنشود يوماً ما؟ هذه عناوين الأزمة. قلة اختارت المواجهة واستمرت، صوتاً صارخاً في البرية. لكنه صوت مزعج. وهو يجب ان يبقى مزعجاً. فالسكون مميت. والهزيمة نهاية.* من بحث نشر عام 1988 في كتاب أصدرته "الحركة الثقافية أنطلياس" بعنوان "لبنان: الثقافة والتغيير"  داثة» بسبب استيراد أنماط خارجية دون تأسيس ثقافي وفكري يضمن استدامتها، مما خلق فجوة بين الشكل والمضمون وأعاق النهضة الحقيقية. ويؤكد على أن الجمع بين التحديث المؤسسي والحداثة الفكرية شرط للنهوض، مع استلهام التجارب العالمية دون قطيعة مع الهوية.  الخاتمةنستنتج من النص أن قراءة كتاب الدكتور علي حرب تقدّم تشخيصًا شاملًا لواقع الثقافة العربية ومشكلاتها المتراكمة، وتسلّط الضوء على أزمة مزدوجة يعيشها المثقف بين سلطة قمعية ونخبة عاجزة. في المقابل، تبقى اللغة العربية القلب الحي الذي يحفظ الهوية والذاكرة، لكنها مهددة بالتهميش ما لم يُستَدَرْ دورها.يدعو النص إلى تجديد الثقافة ضمن توازن بين الأصالة والترجمة، والعقلانية والانفتاح، بما يمكن من بعث مشروع نهضوي قائم على النقد والمعرفة. ويفرِض في الختام قناعة بأن مستقبل الثقافة العربية مرهون بقدرتها على استعادة دورها الإبداعي والإنساني، والانخراط في الحداثة بوعي يُعيد للعقل العربي فعاليته في إنتاج المعنى والحضارة.