Elementor #3294

الثقافة رافعة النهضة والمثقّف ذراعها

 طرحُنا لموضوع الثقافة في هذه المقالة، لا يتناولها من حيث إنها مكوّن معرفي واسع، بل من حيث وظيفتها ودورها في الحياة الإنسانية. فقد أشبع المفكّرون التنويريون والفلاسفة وعلماء الاجتماع مصطلح الثقافة، لغة ومفهومًا وتكوينًا.والثقافة التي أقصدها، ليست هي الحلية التقليدية التي يتسابق الناس للتمتّع بجمالاتها والتزيّن بها ترفًا أو تباهيًا، فالعِقد حول الجيد، مهما بلغت ثمانته وروعة جماله، يبقى مجموعة من الأحجار الصمّاء، والثقافة إذا استُخدمت لهذا الطموح، تتحوّل إلى ما يشبه هذا الصمم والخرس.الثقافة الحيّة لا يمكنها أن تعيش في ظلام الصدور، وهي لا تحيا ولا تتفتّح إلّا تحت الشمس والماء والهواء. فالثقافة الحيّة هي شجرة المعرفة الواعدة بالثمار.وبهذا المعنى تتبلور أهمية بعض المزايا البنائية العضوية للثقافة، والتي تفسّر طواعيتها وقدرتها على التكيّف الإيجابي مع المتغيّرات المتلاحقة، زمانًا ومكانًا، بفضل امتلاكها للجينات المتجدّدة التي تؤهلها لذلك.مفهوم الثقافة لا يتوقّف عند حدود جمع المعارف، إنما يتجاوزها بعيدًا لاستثمار هذه المعارف في تنشيط عملية التنمية الشاملة. ومفهوم المثقّف لا يتجلّى أبدًا بما حصّله من معلومات ومدركات، بل بقدرته على استيعابها واستقرائها، لاستنباط المتوقّع منها، وإعادة ضخّها رؤىً وطروحاتٍ تغييرية في المجتمعات.إن التحوّلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها البشرية في تاريخها، وما تبعها من تطوّرات بيئية وعولمية وتقنية ورقمية مع بدايات القرن العشرين، كان لا بدّ أن تفرض نفسها بقوّة على الفضاء الثقافي حول العالم، وأن تنعكس على كل مجالات واهتمامات الحركة الثقافية، وتثير قضايا الظلم والفقر والجوع والحروب والاستبداد والصراع الديني والعنصري، وتشحن العقول وتحفّزها للبحث عن الحقوق الإنسانية كافة، ما أنتج تحديدًا جديدًا للتوجّهات الثقافية، يواكب اتجاهات رياح التغيير والمستجدات، وبخاصة في زمن التحوّلات الكبرى.هدف هذه المقالة إذن، أن تضع تحت الضوء أهم المزايا التي تجعل من حامل لقب الثقافة – “المثقّف” – راصدًا للتحوّلات وحارسًا للتجديد ومولّدًا لليقظة والنهوض، وأن تسعى لتعطيه تعريفًا وظيفيًا دقيقًا، وهو أنه ملزم – إنسانيًا وأخلاقيًا – بألّا يقصر طموحه عند جمع المعارف المكتسبة، كي تكون ميراثًا ماديًا معرفيًا يحتفظ به في خزائن الذاكرة، ويرتقي به إلى برج عاجي منعزل، إنما ليحوّله إلى نسغ يحييه ويحيي من حوله. أي ليكون مصباح العقل ومنارة الإرشاد، باستخدام ثقافته المعرفية ومراقباته الاجتماعية، ليقرع أذهان الناس، ويحرّك المناطق الخامدة في عقولهم. وإذا كانت الثقافة تمثّل رافعة النهضة في المجتمعات، فإن المثقّف هو ذراعها اليمنى.وأكبر ظني أن الورود إذا احتفظت بأريجها، ولم تبح به لكي يعطّر الأجواء من حولها، فإنها سرعان ما تختنق وتموت. وأن الأشجار إذا احتفظت بثمارها من دون أن تهبها لخلق الله، فإنها سرعان ما تنتفخ وتيبس. من هنا فإنني أرى أن من أبرز ما يميّز المثقّف المستنير والمُنير، عن سائر مخزّني المعرفة، هو الجهوزية والطواعية والكرَم. لأنه بجهوزيته يكون مستعدًا لتلقّف الحدث، وبطواعيته يكون قادرًا على التفاعل، وبكرَمه وتوزيع ميراث معرفته، يكون فاعلًا ومؤثّرًا في إحداث فعل النهوض والوعي.وبذلك يصبح المثقّف حارسًا واعيًا على بوابة التاريخ، ومرصدًا ذكيًا لأحداثه، ومحاميًا أمينًا للدفاع عن حقّ الإنسان، في أي زمان ومكان، ليحظى بكرامة العيش على هذه الأرض، ولحماية الأرض نفسها لتبقى مكانًا آمنًا للحياة. وبالتالي، فإن الثقافة، بشموليتها للمراحل الإنسانية ولإنتاجات الفكر كافة، تدخل ضمن مفهوم السلطة الرابعة التي منحت للجهاز الإعلامي من بوابة دوره الرقابي والاعتراضي، وقد تترفّع عنه في بعض الأحيان، كونها لا يمكنها إلّا أن تكون نبيلة وحرّة. وأعني بذلك الثقافة التي ترتفع بأصحابها المفكّرين النقديين، الذين يمتلكون الرؤية ولا يتخلّفون عن أداء دورهم الرسالي، في معرفة قراءة الأحداث، واستلهام التنبؤات، وتوليد الأنوار الهادية، من أجل خلق إنسان جديد لعصر جديد.إن موقف الثقافة من التحوّلات الحاصلة أمامها، هو موقف المواكب والعاكس لها، لكن من دون أن ينعكس تخلخلًا في مبادئ المثقّف، ومواصلة مخاطبة العقول بالنبل والأخلاق بمعيار وميزان واحد، وهو كرامة الإنسان.ما يشهده العالم، من أطماع وتهافت على الاكتساب وتسابق نحو الصراعات والحروب، وما يرزح تحته  عالمنا العربي من مآسٍ وتخلّف وتردٍ، ما كان ليحدث لولا استضعاف الثقافة والاستهانة بقيمتها، ودفعها إلى مؤخرة المؤثرات التغييرية، والانصراف عنها إلى ما يحقّق الأرباح السريعة، مادة وسلطة، بغضّ النظر عن وسائل وأدوات تحصيلها، فابتلينا بالعقم الثقافي العام، وتراجع إنتاج المثقفين إلى أضيق الحدود، هذا من  ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن القلّة التي نجت من هذا العقم والتي نطلق عليها الصفوة المضيئة، تقاعست هي الأخرى عن أداء الأمانة الموكلة إليها، ولم تعد تلعب، دور حملة مشعل الوعي، ما أوقعنا في أدهى مصيبتين: خواء في الثقافة وخيانة في المثقفين. والمسؤولية هنا ليست على الثقافة بذاتها، لأنها متاحة كالبحر لمن يستحق خوضه وجمع خيراته، إنما على من حجب الناس عنها وقادهم إلى مستنقعات الأسن.إن غياب عامل الثقافة عن ورشة البناء والتنمية، عمّق ظاهرة التجهيل في المؤسسات والإدارات ومراكز القرار، وتركها نهبًا للمحسوبيات، فانتشر الفساد وضاعت التنمية على وقع تهجير الطاقات المؤهلة.سأل “الإسكندر الأكبر” يومًا الفيلسوف “ديوجين” بينما كان في “برميله” يستمتع بأشعة الشمس: أراك تحتاج إلى أشياء كثيرة فسلْني ما تريد.أجاب “ديوجين”: كل ما أحتاج إليه، أن تتحوّل عن هذه الجهة لأنك تحجب ضوء الشمس عنّي.